طغت زيارة رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط إلى قصر بعبدا أمس، ولقائه برئيس الجمهورية ميشال عون، على ما عداها من اتصالات، لأنها أتت بشكل مفاجئ، وترك توقيتها تكهّنات واستنتاجات عديدة حول أسباب ودوافع هذا التراجع الذي قام به زعيم المختارة، خصوصاً أنه كان أول من طالب بتنحية رئيس الجمهورية، وصولاً إلى انتقاداته التي طاول بها الرئيس عون، وإن توقف في الآونة الأخيرة عن المطالبة باستقالته، تاركاً هذه المسألة لبكركي، وللقيادات والزعامات المسيحية كي لا يُفهم موقفه بشكل خاطئ.

مصادر نيابية مواكبة للسياسة الجنبلاطية، تكشف عن هواجس وقلق يخيّمان على المختارة منذ أشهر طويلة، بدءا بجائحة كورونا مروراً بالأوضاع الإقتصادية والإجتماعية المتدهورة، كذلك المعطى الأمني، حيث يُنقل بأنه بدأ يأخذ الحيطة والحذر في تنقلاته بعد نصائح أُسديت له من قبل أجهزة أمنية وديبلوماسية، وبالتالي، بدأ يشعر أن هذا الإنحدار الكبير على المستوى الإقتصادي والمعيشي قد يؤدي لاحقاً إلى انفجار لن تسلم منه أي منطقة من لبنان، بما في ذلك الجبل، حيث معظم شبابه دون عمل والأوضاع الإقتصادية قد تكون الأصعب نظراً لغياب المعامل والمصانع والموارد والشركات، وبمعنى آخر ليس هناك أي فرص عمل متوفّرة، في حين أن الأحداث الأمنية الأخيرة التي وقعت في صوفر، وكذلك في كفرحيم الشوف، هي أيضاً تركت هاجساً كبيرا عند رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي، الذي تخوّف من أن تمتدّ التظاهرات إلى مناطق الجبل، أو أن تؤدي حالات الفقر والعَوَز إلى اهتزاز أمني ليس بمقدور أحد أن يوقفه.

أما في السياسة، فإن جنبلاط، ومن خلال معلومات وثيقة قد كثّف في الآونة الأخيرة من لقاءاته مع سفراء غربيين وعرب، ولم يلمس منهم أي حلول مرتقبة للملف اللبناني، أو أنهم مهتمون بالبلد، وعدم اعتباره أولوية، وقد يكون تلقى معلومات من صديقه الخاص نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، كونه على تواصل دائم معه، فهذه الأمور مجتمعة ومرفقة باتصالات ومشاورات يجريها في الداخل والخارج، توصل إلى قناعة بأن أي مواقف تصعيدية منه أو استمرار قطع الطرقات، ولا سيما في الساحل، فذلك قد يؤدي إلى مشاكل أمنية كبيرة، وعلى هذه الخلفية بدأ يتقدّم نحو المطالبة بالتسوية، أو يتراجع عن مواقفه السابقة، عندما دعا الرئيس سعد الحريري إلى القبول بتسوية والإسراع في تشكيل حكومة، وعدم ممانعته بتوزير درزي ثان من حصة الفريق القريب من الممانعة.

وفي السياق نفسه، فإن الوزير والنائب السابق غازي العريضي، المقرّب من «حزب الله» وأفرقاء كثر في الثامن من آذار، نصحوا جنبلاط بسلوك هذا الخط وولوج التسوية، ولهذه الغاية تولّى العريضي الإتصالات مع «حزب الله»، وأرفق ذلك أيضاً بكلام لجنبلاط حمل نوعاً من السخرية، عندما قال «هذا الذي يسكن على التلة» غامزاً من قناة رئيس حزب «القوات اللبنانية»، ومتسائلاً عن أسباب الدعم الذي يلقاه من المملكة العربية السعودية، غامزاً أيضاً من قناة الرياض، ليستكمل خطواته ويتوجه بزيارة قصر بعبدا، مما يؤكد أن هذه الخطوة، كانت استباقية بداية خوفاً من أي تطورات سياسية وأمنية، وربطاً بتردّي أوضاع الناس، ومعلوماته عن غياب أي دعم دولي للبنان، مستثنياً ما تبقى من المبادرة الفرنسية.

ويبقى السؤال، ماذا ستكون ردة الفعل على هذه الإنعطافة الجنبلاطية، وتحديداً عند الرئيس الحريري والعلاقة بين تيار «المستقبل» والحزب الإشتراكي، وصولاً إلى الحلفاء السابقين في قوى 14 آذار، ولا سيما «القوات اللبنانية» والكتائب، إضافة إلى الموقف السعودي، الذي قد يكون منزعجاً ومستاءً من هذه الخطوات، والتواصل بين كليمنصو و»حزب الله» عبر النائب السابق العريضي، وذلك ما ستكشفه الأيام القليلة المقبلة، ربطاً بمسار التطورات داخلياً وإقليمياً.