ظاهرة سريالية أم ظاهرة فرويدية؟ كلما ازدادت اسرائيل قهراً، وازدراء، وتنكيلاً، بالعرب كلما ازدادوا اقتراباً منها ووثوقاً بها...

برنارد لويس قال ان الشرق الأوسط «ينبغي أن يدار بعصا موسى التي تشق الزمن وما وراء الزمن، لا بسيف محمد الذي أقفل الزمن وما وراء الزمن» (خاتم الأنبياء).

الفيلسوف اليهودي الفرنسي آلان فينكيلكروت لم يكن أقل فظاظة في النظر الى العرب كـ»فتات قبلي». أثنى على أنور السادات بـ «رؤيا الفراعنة»، والذي أوقف «ثقافة الموتى».

رأى أن العرب لا يمكن الا أن يكونوا قهرمانات الهيكل، مفسراً على هواه كتاب المستشرق الألماني تيودور نولدكه «تاريخ القرآن» ككتاب مقدس «لا حاجة له ما دام يقول ما قالته التوراة».

لا مجال للدخول في جدل لاهوتي. العرب، بتقهقرهم على المستويات كافة، أمام واقع تراجيدي. يومياً، أتلقى اتصالات من كتّاب، واعلاميين، خليجيين، يعتبرون أن النظام الايراني، بـ «الايديولوجيا المتجهمة، والصاخبة، التي تدق على ظهورنا، هو الذي يهدد وجودنا لا أي جهة أخرى»!

يتحدثون عن «الامكانات الديموغرافية، والجغرافية، لدى الايرانيين الذين لم يطيقوا، يوماً، البقاء الى الأبد على الهضبة الفارسية. عبر القرون، عملوا على الوصول الى ضفاف المتوسط، وحتى الى ضفاف البحر الأحمر حين ألحق كسرى أنو شروان اليمن ببلاد فارس بعدما طلب سيف بن ذي يزن مؤازرته لطرد الأحباش من بلاده في القرن السابع قبل الميلاد.

في رأيهم أن» اسرائيل» لم تشكل، يوماً، أي تهديد للبلدان الخليجية. ومنذ أن وقعت مصر اتفاقية كمب ديفيد، ووقع الأردن اتفاق وادي عربة، زال الهاجس من «الاحتمالات الاسرائيلية» لتحل محلها «الاحتمالات الايرانية». بالاضافة الى المسافة المائية المحدودة بين ضفتي الخليج (55 كيلومتراً في مضيق هرمز)، هناك الممر العراقي اذا ما أخذنا بالاعتبار أن ديوان كسرى لا يزال ماثلاً في ضاحية بغداد.

ليس» الاسرائيليون «الذين يتغيرون. العرب الذين يتغيرون ويتغيرون. لا فارق بين كل رؤساء الحكومات، وكل رؤساء الأركان، الذين تعاقبوا في اسرائيل. اليسار اندثر، ليبقى اليمين واليمين الآخر. اذاً أي كلام بهلواني لبنيامين نتنياهو حين يتحدث عن «انتصار عظيم لليمين». انتصار على من؟

الرؤوس التوراتية (الاسبارطية) اياها. من بنيامين نتنياهو الى نفتالي بينيت، ومن آرييه درعي الى بيني غانتس، وغابي اشكنازي، وموشي يعالون، ويئير لبيد. كلهم في طبق واحد. أو حول طبق واحد: عظام العرب...

حتى لو قال المعلق البارز آري شابيط أن الخارطة الفسيفسائية للأحزاب تعكس مدى التحلل في المجتمع السياسي الاسرائيلي، ثمة كثيرون يسألون عن التعويذة السحرية التي تجعل رجلاً تلاحقه قضايا الفساد منذ سنوات يطفو، دائماً، على السطح. هل حقاً أن هناك أزمة رجال (أزمة أنبياء) في» اسرائيل»؟الكل تساقطوا. دافيد بن غوريون الذي أعلن قيام الدولة انتهى بحزب أقلوي في الكنيست. موشي دايان الذي قاد حرب 1967 أمضى بقية حياته في حقول البطيخ في صحراء النقب. مناحيم بيغن الذي اجتاح لبنان التف ببطانية الصوف منتظراً يوم رحيله. آرييل شارون الذي نزلت الرؤيا على أمه بتتويجه ملكاً على اسرائيل انتقل من الغيبوبة الصغرى الى الغيبوبة الكبرى. اسحق رابين الذي احتل الجولان سقط برصاصة ييغال عمير.

بنيامين نتنياهو فارغ من الداخل. وتكاد ترى هيكله العظمي بالعين المجردة. راقص المستنقعات الذي شعاره «لا للفلسطينيين». لا أبدية. السناتور بيني ساندرز وصفه بـ «الثعلب الذي يفكر بذيله».

نتائج الانتخابات، كالعادة، ضبابية وملتبسة. لا احد غيره على عرش اسرائيل. عرب «الخط الأخضر» لم يذهبوا بكثافة الى صناديق الاقتراع. ما جدوى أصواتهم اذا كانت أصوات كبار العرب تذهب الى نتنياهو؟.

ملك على العرب أم ملك على اسرائيل؟!