التقرير البريطاني قدّم «خيارات» عدّة من دون أن يلحظ أي منها «حقّنا» ولبنان اختار الخطّ الأقصى.. فهل هو الخيار الأفضل؟!

وقّع وزير الأشغال العامّة والنقل ميشال نجّار على تعديل المرسوم 6433 المتعلّق بتحديد حدود المنطقة الإقتصادية الخالصة، كما هو مقترح، وكذلك فعلت وزيرة الدفاع زينة عكر وأحالته الى الأمانة العامّة لرئاسة الحكومة. وهذا يعني أنّ نجّار وافق على هذا التعديل الذي يعتمد الخط 29 الذي يُوسّع مساحة المنطقة البحرية للبنان ويُدخل اليها المساحة الإضافية أي الـ 1430 كلم2 ضمن حقوق لبنان في ثروته من النفط والغاز، بحسب الإحداثيات الجديدة التي رسمتها قيادة الجيش اللبناني، واعتمدتها وزارة الدفاع.

بعد توقيع رئيس الحكومة المستقيلة حسّان ديّاب، يبقى أن يُوقّع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على مرسوم التعديل، وقد تقرّر الإستعاضة عن موافقة مجلس الوزراء بخصوص التعديل بموافقة إستثنائية، ستصدر اليوم الثلاثاء عن رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، ليقوم بعدها وزير الخارجية والمغتربين شربل وهبه بإرساله فوراً الى الأمم المتحدة. علماً بأنّه سيُصار لاحقاً الى عرض الموضوع على مجلس الوزراء على سبيل التسوية.. وهذا يعني بأنّ المرسوم 6433 معدّلاً سيُرسل الى الأمم المتحدة قبل وصول وكيل وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد هيل الأربعاء الى بيروت في زيارة رسمية تستمرّ ليومين، يلتقي خلالها القادة السياسيين. فهل ستُضاف وفق هذا المرسوم المعدّل، مساحة الـ 1430 كلم2 الى مثلث النزاع الذي تبلغ مساحته 860 كلم2، فتصبح مساحة الـ 2290 كلم2 هي التي سيتمّ استكمال المفاوضات غير المباشرة عليها بين لبنان والعدو الإسرائيلي، أم ستبقى هذه المفاوضات معلّقة؟ وهل من شأن تعديل المرسوم 6433 وإيداعه لدى الأمم المتحدة وقف عمليات الحفر من العدو الإسرائيلي في هذه المنطقة؟!

الأستاذ الجامعي والباحث في قضايا الحدود والمياه الدكتور عصام خليفة، الذي كان أحد أبرز الخبراء المطالبين بتعديل هذا المرسوم، شكر الوزير نجّار في حديثه لجريدة «الديار» على توقيعه على تعديل المرسوم، وكذلك الوزيرة عكر، مشيراً الى أنّها خطوة جيّدة تسبق شركة «إنرجين» اليونانية التي يُفترض أن تبدأ بشفط الغاز والنفط في أوائل حزيران المقبل، جنوب الخط الذي ينتهي في النقطة 23 لصالح العدو الإسرائيلي. ويبقى أن يُوقّع رئيس الجمهورية عون عليه، على ما أضاف، ليتمّ إرساله من قبل وزارة الخارجية فوراً الى الأمم المتحدة. وقال بأنّه على لبنان إرسال مرسوم التعديل هذا، انطلاقاً من أنّ المادة 157 من وثيقة الأمانة العامة للأمم المتحدة للعام 1999 تنصّ على أنّه «يُمكن لأي دولة أن تسحب وثيقة عائدة لها تمّ إيداعها من جانب واحد لدى الأمين العام للأمم المتحدة»، ما يجعل الأمم المتحدة تأخذ به بطبيعة الحال، كون لبنان يُطبّق القانون الدولي في هذا الإطار. كذلك لكي يتمكّن لبنان من المطالبة بحقوقه في مساحة الـ 1430 كلم2 إذا ما بدأت شركة «إنرجين» بالعمل.

وعمّا سيحصل بعد ذلك، أشار الى أنّ لبنان بعد إرساله المرسوم المعدّل الى الأمم المتحدة، يكون قد قام بما يترتّب عليه لجهة حفظ حقّه في ثروته النفطية والغازية في المنطقة الإقتصادية الخالصة التابعة له. أمّا فيما يتعلّق بالعدو الإسرائيلي فلو جاز له ابتلاع لبنان بكلّ مساحته، فهو لن يُقصّر.

في المقابل، يتساءل مصدر ديبلوماسي مطّلع على عملية ترسيم الحدود اللبنانية إذا ما كان المرسوم 6433 المعدّل بإمكانه أن يُثني العدو الإسرائيلي عن الحفر في منطقة ستصبح الآن ضمن منطقة متنازع عليها وهل سيجعل ذلك «إسرائيل» تبدّل موقفها وتعود الى طاولة المفاوضات؟! يخشى المصدر أنّ العدو الإسرائيلي لن يعترف بهذه المطالب اللبنانية، ولن يوافق على هذه الإحداثيات التي سيعتبرها إعلان أحادي من طرف واحد.

من هنا، شدّد على ضرورة إعادة درس الموضوع برمّته، وإجراء نقاش وطني حوله، وأن تقوم الوزارات المختصّة كلّ بدروها على ما طالب وزير الأشغال العامة والنقل ميشال نجّار في مؤتمره الصحافي أمس. ودعا إلى التوقّف عن الحصرية والمفاوضات الجانبية من تحت الطاولة، ومعالجة مسألة الحدود البحريّة والبريّة للبنان بطريقة شفّافة. وقال بأنّ عملية الحوار الوطني تبدأ بنشر التقرير البريطاني الذي وضعته مؤسسة «هيدروغرافيك سنتر» على الملأ وفي كلّ الصحف. وأشار الى أنّه إذا ما حصلت هذه المناقشات بسرعة، يُمكن عندئذٍ خلال شهرين العودة الى طاولة المفاوضات غير المباشرة مع العدو الإسرائيلي من موقع القوّة، لا أن نكون مرتهنين للتوقيت السوري من جهة، والعدو الإسرائيلي من جهة أخرى فيما يتعلّق بالتنقيب، أو لخبراء الأمم المتحدة القانونيين وجداولهم الزمنية. وفيما يتعلّق بالتقرير البريطاني الذي لم تتمّ مناقشته على طاولة مجلس الوزراء.

وقد لحظ المصدر الديبلوماسي نفسه أنّ إحدى الخرائط التي رسّمها البريطانيون تُسمّي الخطوط الحدودية المتنازع عليها بين لبنان والجانب الإسرائيلي بالخيارات، Option (c) و Option (b) و Option (a) .

ويبدو أن الخريطة هي نسخة أخذت من التقرير البريطاني، وقد أبقت على النقطة 1 وهي التي يتمسك بها العدو الاسرائيلي. وهي تبرز الخط الذي يصل بين رأس الناقورة والنقطة 23 وهو الخط الذي تمّ تعديله في العام 2011 بعد إكتشاف خطأ وزارة النقل المرتكب عام 2008. وتًسمّي الخريطة هذا الخط الجديد إلى النقطة 23 بالخيار (أ) أي Option (a) ، ثم هي تقترح خياران آخران: الخيار (ب) أو (b) والذي يتبع المسار الطبيعي لخط الساحل اللبناني ولكنه يأخذ بالموقف الإسرائيلي بأن الجزيرة الصغيرة يمكن إدخالها في الإحداثيات. أما الخيار (ج) الثالث أو (c) بموجب الخريطة فهو يصل إلى النقطة 29 التي اعتمدها لبنان في الإحداثيات الجديدة للمرسوم 6433 المعدّل بعد أن يكون قد أسقط الحجّة الإسرائيلية حول الجزيرة متخذاً بذلك الحدّ الأقصى من الخيارات البريطانية. وبرأي المصدر الدبلوماسي أنّ التقرير البريطاني وضع خيارات ثلاثة على أن يختار لبنان إحداها. ويبدو أنّ لبنان قد اختار الخيار (ج) الأقصى المذكور في التقرير البريطاني. فهل يعني ذلك بأن هذا «الخيار» يُترجم تلقائياُ إلى «حقّ لبناني» لا جدال فيه؟ أما أن استراتيجية التفاوض بأسرها سترتكز على أن يقوم الوفد اللبناني بتقديم حجج قانونية واضحة بأن الجزيرة الإسرائيلية يجب عدم خضوعها للإحداثيات لأنها صغيرة وغير مأهولة؟

وأوضح أنّ عملية ترسيم الحدود على الخرائط هي عملية دقيقة جدّاً ويوجد إحتمالات بأنه حتى هذه الخطوط التي رسمها التقرير البريطاني قد تكون خاطئة. فلو انطلق لبنان من نقطة الناقورة، واتخذ درجة بالزائد أو الناقص من زاوية رسم الخط من لبنان الى قبرص، على سبيل المثال، فإنّ فارق في درجة واحدة عند اتساعها تصل الى ألف كلم أو أكثر، ما يعني أنّها تغيّر المساحة بشكل كبير. وقد أخذ الجانب اللبناني الخطّ الأقصى ووضع يده تقريباً بالكامل على حقل «كاريش». ونقول بأنّه «حقّنا»، رغم أنّ التقرير البريطاني نصّ على مقترحات هندسية عدّة، وترك للبنان حقّ اختيار الخط الذي يجده الأفضل له.

ولفت الى أنّ لبنان تأخّر في مسألة الترسيم والحقّ يقع عليه في هذا المضمار، لكن مقاربة الموضوع لا تزال يشوبها الخفّة والمماحكات والشعبوية والإتكال الأعمى على النصائح والتوجّهات الخارجية. وألمح الى أنّه في كلّ الدراسات المتعلّقة بترسيم الحدود البحرية بين بلدين أو أكثر، فهي تنصّ على أنّه على الدول المتنازعة أن تتفق فيما بينها على الترسيم قبل أن تلجأ إلى الوساطة أو التحكيم الدوليين. وهذا ما تذكره معظم التقارير التي أعدها قانونيون ومحامون وخبراء الترسيم البحري منذ إندلاع النزاع اللبناني- الإسرائيلي حول الحدود البحرية منذ حوالي عقد من الزمن تقريباً. ولهذا فعلى لبنان أن يكون قد حضر ملفاته بشكل جيد وحرفي.