بات الواقع السياسيُّ والإقتصادي ُّوالإجتماعي في لبنان واقعاً مريراً للغاية، بحيث لا يمكنُ لأحدٍ من سكان المعمورة أن يحسدَ اللبنانيين على واقع حالهم المتشظّي بين انهيار العملةِ والبطالة والهدر والفساد، الأمر الذي حصد اللبنانيّون نتيجته اليوم مع قلقهم الحقيقي على فقدان أموالهم في المصارف وتحوّل قسم كبير منهم لفقراءٍ غيرَ قادرين على تأمين اولويات حاجاتهم.

التّدقيقُ الجنائيُّ الذي يطفو اليوم على سطح المشهد السياسي، هو فرصةُ جديّةُ للعبور من المشهد المظلم الذي يرزح تحته لبنان، اذ يراهن كثر أن هذا التدقيق من شأنه أن يمكّن اللبنانيينَ من اكتشاف العمليات غير الشرعية والإختلاس والهدر الذي مُورس طوال عقود، وبالتالي فضحُ كل المرتكبين الذين تورّطوا بشكل جديّ في إيصالِ البلاد لهذا الدّرك الصعب الذي يضع الكيان برمته في مهب الريح.

عضو المكتب السياسي في التيار الوطني الحر وليد الاشقر يرى في حديث «للديار» أن التدقيقَ الجنائيَّ هو الفرصةُ الوحيدة للخروج من النفق المظلم ولا مجال لاستعادة الثّقة الدّولية وطلب مساعدات من الجهات المانحة من دول وصناديق اذا لم نتمكن من سد كل مزاريب الفساد السابقة، والمجتمع الدولي اليوم يساند رئيس الجمهورية في طلبه، في ظل وجود قوى داخلية تحاول العرقلة بشتّى الأساليب لانها متضررة من هذا التدقيق، ومما لا شك فيه وفق الأشقر أنّ ملف تشكيل الحكومة مرتبط بشكل مباشر بهذا الموضوع، والحجج التي يخترعها الرئيس الحريري يتم دحضها من قبل رئيس الجمهورية، وبات من الواضح الآن أن الحريري لا يملك اي نية للتّشكيل إلا بعد التأكد من تفريغ التدقيق الجنائي من مضمونه، وهذا ما لا يمكن البتة أن يقبل به رئيس الجمهورية.

على صعيد متّصل، رأى عضو المكتب السياسي في تيّار المستقبل وسام شبلي أنّنا كلبنانيين نواجه عقلاً الغائياً يبحث عن ضحايا وأعداء وانتصاراتٍ وهميةٍ ليس لها علاقةٌ بأصل المشكلة، وفيما يتعلّق بالتّدقيق الجنائيّ يجب على هذا التّدقيق ان يطالَ كل القطاعات والمجالس والوزارات، ولكن القول وتصوير التدقيق الجنائي انه مفتاح الحلول السحرية هي شمّاعةُ سياسيةُ لا أكثر، وهذا التدقيق هو جزء من سلّةٍ إصلاحيةٍ كاملة متكاملة، وهذا الإصلاح لا يتم الا من خلال حكومةٍ لتطبيق مشروع الإصلاح الذي كان مطلوباً في سيدر والمجتمع الدولي ،فالأساس هو حكومة مهمّة حكومة قادرة على انتشال المشهد، ونحن نجزم أنّ الجهةَ التي تحاول عرقلة تشكيل الحكومة هي عينها المعرقلة للإصلاح.

من جهته رأى المحامي ناضر كاسبار في حديث خاص لجريدة «الديار» أن التّدقيق يجب ان يحصل في شتّى الوزارات والإدارات العامة ومصرف لبنان، لمعرفة مكامن الفساد والسرقة، والوجهة القانونيّة تؤكد أن المطلوب هو الاتصال بكل الادارات من قبل مجلس الوزراء للمباشرة بعمليات التدقيق بعد الاتفاق على تفاصيل العقد بشكل واضح وجليّ، وذلك عبر شركة مستقلة غير مضطرّة للانحياز الى جانب جهة ما دون الاخرى، والواقعيّة برأي كاسبار تقول أنه من الصّعب منطقيا ان يصل التّدقيق الجنائي إلى مكان ما آنياً، نظراً للهوة والانقسام بين الكتل السياسية التي تحكم المشهد اللبناني واختلاف العقليات والمقاربات والمصالح المرتبطة بشكل وثيق بالإطار الطّائفي والمذهبي والمناطقي.