قصّة الكلب الذي انتشرت مشاهد تعذيبه على مواقع

التواصل الإجتماعي .. وتجاوزات أخرى: هل من يتحرّك؟

إنتشر «فيديو» الأسبوع الفائت لكلبٍ مسكين وقع ضحيّة إهمال «صاحبه» وفوقيّته البشريّة، رغم النوايا التي قيل إنّها حسنة، والتي إعتبرت أن تقييده بحبلٍ في صندوق الشاحنة المكشوفة ككيس قمامة هو أمر طبيعي ومقبول، فما كان من هذا المخلوق المغلوب على أمره إلا أن وقع وتدحرج خارج الصندوق وراح يُسحل بينما تُبرَد وتُقَشَّر يديه وقدميه على الإسفلت خلف الشاحنة المسرعة التي كانت من دون لوحة تسجيل أصلا - إلا أنّنا نترك مخالفة اللوحة هذه برسم الجهات المختصّة.

وما زاد من الطّين بلّة هو أن من كانا خلف الشاحنة مستدركَين معاناة الكلب المسكين على أمل لفت إنتباه السائق لما قد وقع علّهما ينقذانه من معاناته، فضلا عدم فعل أي شيء يذكر بإستثناء تصوير الكارثة طوال فترة وقوعها مردّدين عبارات التعاطف الفارغة، قبل تحميل «الفيديو» الذي تقشعرّ له الأبدان على وسائل التواصل الإجتماعي، غافلَين أنّ السّاكت عن الحق هو شيطان أخرس.

جميلٌ ومبشرٌّ كمّ التعاطف الشعبي الذي لقاه هذا الكلب الذي لسوء حظّه أنّه وجد في بلدٍ تكثر فيه الأديان وتقلّ فيه الإنسانيّة، إلّا أنّه وكالعادة، نسي اللبنانيّون قضيّته بعيد ساعات قليلة، لا لتقصير الإنسانيّين منهم، بل لكثره مصائب بلدنا التي تتسابق على إنتباهنا بين الخبر العاجل والآخر.

لكن، ممنوع أن تمرّ فضيحة كهذه يقع ضحيّتها مرارًا وتكرارًا مخلوقات بريئة مرور الكرام بعد اليوم. الحيوانات هي مخلوقات الله، لها حقّ بهذه الأرض تمامًا كالإنسان، بل هي أمانة، إن أسأنا الحفاظ عليها، إعترضنا على مشيئة الخالق، فإرحموا من على الأرض ليرحمكم من في السماء.

تواصلت الدّيار مع السيّدة غنى النحفاوي، وهي ناشطة في مجال الدفاع عن حقوق الحيوان، وقد شدّدت على ضرورة معاقبة سائق الشاحنة المذكورة كي يكون عبرة لغيره، «لأنّ من أمن العقوبة أساء الأدب»، واصفة ما حدث بالجريمة، من بين جرائم كثيرة جدًا ترتكب بحقّ الحيوانات في لبنان. تقول السيّدة النحفاوي إن لبنان هو من بين حوالي 30 بلدًا في العالم فيها قانون الرفق بالحيوان، وهو قانون رقم 47/2017 الذي صدّق عام 2017 في لبنان وأصبح نافذًا منذ حينه إنّما لا يتم تطبيقه كما يجب، بل إنّ التطبيق خجول وأحيانًا للأسف «النظام القضائي السخيف والديناصوري هو الذي يقصّر في تطبيقه، لأنّه في 90% من الحالات عند الشكوى على إساءة معاملة حيوان عند النيابة العامة أو المخفر، دائمًا ما نتواجه مع المدّعي العام».

وتروي السيّدة النحفاوي أنّه في أحد الملفّات كانت الإساءة واضحة جدًا لشخصٍ كان يضرب كلبه بالحزام، إلا أنّ المدّعي العام إعتبر أنّها قد تكون طريقة المالك الخاصّة بملاطفة كلبه، وبالتالي فشلت القضيّة.

وتقول ان المشكلة في الإدارات الرسميّة نفسها التي تخالف قانون الرفق بالحيوان، ومثال على ذلك إستخدامهم لسمّ «اللانيت» بهدف التخلّص من الكلاب والقطط الشاردة، مع العلم أنّ هذا السمّ أصلًا محظور عالميًا لأنّه خطر على الصّحة العامّة ويتسبّب بالسرطان عند تحلّله للمياه الجوفيّة، فعند تحلّل جثث الحيوانات المسمّمة هذه، تدخل هذه المواد بدورها الأرض، وبالتالي تتسلّل إلى المياه التي نشربها.

من القضايا الأخرى التي شاركت فيها السيّدة النحفاوي هي عندما تمّ ومن زمن ليس ببعيد تسميم قطط في مرفأ جونية بسمك «النُفَيخة» الممنوع أصلًا بحسب قرارات كثيرة ومن قبل إدارة المرفأ نفسها، حيث تقول النحفاوي أنّه كان هناك كاميرات مراقبة وعُرف من الفاعل، إلّا أنّ القضيّة تمّت «ضبضبتها»، فتستطرد وتسأل: «فإذًا من الذي يقوم بلفلفة هذه الملفّات؟ أي أنّه لا يتمّ إستكمال الملفّات حتى خواتيمها، حيث قيل أنّه تمّ تلقّي إتصالات وطلبات بخصوص هذه القضيّة».

وتُذكّر النحفاوي بفضيحة تسميم الكلاب الشاردة التي وقعت في أواخر عام 2017 في مدينة الغبيري من قبل البلديّة نفسها، حيث عملت وزوجها على فضح الواقعة ونشرها في جميع أصقاع العالم، «ورفعنا دعوى عليهم، إلا أنّ المحاسبة إقتصرت على أربعة أفراد كانوا كبش المحرقة وإنتهى الموضوع عند ذلك الحدّ، علمًا أنّ القانون يجرّم هذا الفعل من نواحي عدّة، بدءًا بإستخدام سمٍّ محظور، وصولا إلى قتل الحيوانات، فممنوع قتل الحيوانات عشوائيًا، الإنسان الوحيد الذي يحقّ له قتل الحيوان هو الطبيب البيطري عند ضرورة إبرة الرحمة في حال إستحالة شفاء الحيوان أو في مسائل السعار والحالات الخطرة».

وتشير النحفاوي إلى التلوّث النفطي الجسيم من قبل العدو الاسرائيلي على الشاطئ اللبناني الذي أدّى إلى نفوق السلاحف والكائنات البحريّة، «الا أنّنا لم نر تحرّكًا لوزارة البيئة، إنّما لو وقعت هذه الحادثة في دولة أخرى، لكان تم رفع القضيّة إلى المحافل الدوليّة لإنزال أقسى العقوبات بإسرائيل».

تناقش النحفاوي المادة 12 الواضحة في قانون الرفق بالحيوان والتي تنصّ بأنّه على البلديّات التنسيق مع وزارة الزراعة بوجوب إحصاء أعداد الكلاب الشاردة في القرية أو المحلّة لإتمام ما يلزم من وَسم وخصي وتلقيح منعًا للتكاثر ولضبط الوضع، وبالتالي يصبح لكل منطقة ما يشبه القطيع من الكلاب النظيفة والمعقّمة التي تشرف على حماية المحلّة، تمامًا كما يفعلون في تركيا. وتشدّد على ضرورة تأمين اللقاحات لهذه الكلاب تحسّبًا لأيّة حالة إستفزاز قد تتعرّض لها، ممّا قد يدفعها إلى العضّ، وعندها لا حاجة لتطبيق «بروتوكول السعار» خوفًا من هذا الداء، كما ويقترح القانون إمكانيّة إيواء هذه الكلاب من قبل إتّحاد البلدّيات في ملاجئ موقّتة بهدف تبنّيها لاحقًا من قبل سكان المنطقة.

مع ذلك، وعلى الرغم من وجود الحلول، إلّا أنّ النحفاوي تؤكد ضرورة حلّ المشكلة من أساسها قبل معالجة نتائجها، «فالأرض لا تنبع كلاب، المشكلة هي أنّه عندما يقرّر الأهل تقديم كلبٍ لأولادهم كهديّة في الأعياد مثلًا، لا يدرسون المسؤولية المترتّبة عليهم في هذه الخطوة، فيستدركون بعد حين أن للكلب هذا رعاية ومتطلّبات خاصّة، فيقرّرون التخلي عنه ورميه في الشارع، ما يجعل منه كلبًا شاردًا. فإذًا الحيوانات الشاردة هي نتيجة غباء الإنسان».

ولفتت النحفاوي الى أنّها وزملاء لها حاولوا مرارًا وتكرارًا التنسيق والعمل مع البلديّات على وسم الكلاب الشاردة عبر الرقاقات غير المكلفة أصلًا أو غيرها، لمحاسبة «دكاكين الموت المتفلّتة»، أي محال الحيوانات الأليفة التي تستحصل تراخيص عشوائيّة، والتي لا تقوم وزارتي الصّحة والزّراعة ولا الوحدة الصحيّة في القضاء ولا البلديّات بمتابعتها، حيث تكون الحيوانات البريئة غارقة في مخلّفاتها تقتات منها في أقفاص ضيّقة تفتقد لجميع معايير النظافة والصّحة والإنسانية، فما كان من السيّدة النحفاوي إلّا أن نشرت الفيديوهات التي تثبت ذلك حتّى أخيرًا تمّ التحرّك في اليوم التالي من قبل الجهات المختصّة، «لكن لما الإنتظار للقيام بالواجبات لما بعد وقوع الفضيحة؟»

تذكر النحفاوي من مشاهداتها اليوميّة أيضًا صيد الطيور الجائر والمتفلّت، وتقول إنّ التقارير العالميّة وصفت السماء اللبنانية «بالثقب الأسود»، لأن طريق الطيور المهاجرة إلى أوروبا تنتهي في سماء لبنان، ممّا جعلنا مهزلة للدول الأجنبيّة. بالإضافة إلى مسألة دود الصندل الذي تعلّل السيّدة النحفاوي تفشيه في شجر الصنوبر بسبب الصيد العشوائي لعصفور «الكيكو» على الرغم من كونه مدرجًا على لائحة الطيور الممنوع صيدها، وهو الطير المسؤول عن أكل دود الصندل، الذي مع الأسف أصبح منقرضًا في لبنان نظرًا لغياب إلتزام المواطنين كما غياب مراقبة الدولة، «فرغم جهود قوى الأمن، إلّا أنّهم لا يستطيعون تغطية الكمّ الهائل من المخالفات وحدهم، فملف حرّاس الأحراج مثلًا متوقفٌ لأسباب طائفيّة».

وتشدّد النحفاوي على أن الجهل «الفظيع والمدقع» في الإعلام كذلك يسبّب الأذى المباشر للحيوانات، فمثلًا عند نشر خبرٍ بعنوان « أحد السكان يتمكّن من قتل ضبعٍ» في إيحاء أن في ذلك إنجاز للإنسان، هم يشجّعون على قتل الضباع المدرجة على لائحة الحيوانات المهدّدة بالإنقراض، غير مدركين أن الضبع المخطّط هو رمز لبنان تمامًا كما الكانغارو هو رمز أستراليا، وأنّه «قَمّام الطبيعة»، أي أنّه يقتات على قمامة الإنسان والطبيعة وجيف الحيوانات في الطبيعة، على عكس المفهوم الشائع والخاطئ أنّه يأكل الإنسان رغم صوته الجهور الذي وهبه إيّاه الله، بل على العكس تمامًا هو يخاف الإنسان الذي بدوره يرتكب بحقّه أشنع الممارسات، لأنّ الإعلام يروّج لرواية أن الضبع هو من قام بالإعتداء عليه.

مثلٌ آخر تقدّمه النحفاوي هو قيام الوكالة الوطنيّة للإعلام بنشر خبرٍ مغلوط عنوانه «عضّ كلب مسعور أحد الأطفال»، وتقول: -»أوّلا: لو أنّ البلديّات تنفّذ المادة 12، لما كنّا لنجد حيوانات على قارعة الطرقات أمام مكبّات النفايات الممتلئة نتيجة إهمال البلديّات أصلا.

- ثانيًا: من الضروري معرفة أنّه لا يمكن تأكيد حالة السعر عند الكلاب إلّا بعد فحص دماغها، وعادة ما يكون الكلب المسعور هزيلًا وضعيفًا، يختفي نهارًا ويتوقّف عن الأكل والشرب ويهجم ليلا، فإذًا المسمّى الصحيح هو كلب شارد وليس مسعور، والمشكلة أن باقي المواقع تنقل وتلصق الخبر بحرفيّته وبخطئه عن الوكالة الوطنيّة للإعلام نظرًا لعدم معرفتهم بالموضوع، إذًا من الضروري أن يكون العاملين في مجال الإعلام مضطلعين، لأنّ المشكلة الأساسيّة بالإضافة إلى عدم تطبيق القانون، هي الجهل في الإعلام الذي يجب أن يكون دوره توعويًّا في المجتمع».