يكاد المحظور يقع وتخسر الدولة اللبنانية 2290 كلم2 من ثروتها النفطية والغازية في منطقتها الإقتصادية الخالصة جنوباً، بسبب عدم اتخاذها أي قرار بعد في ما يتعلّق بإبلاغ الأمم المتحدة بالإحداثيات الجديدة، أو بالتوافق على تعديل المرسوم 6433 في جلسة إستثنائية لمجلس الوزراء أو إقرار قانون يتعلّق بحدودها في مجلس النوّاب، أو السعي لاستئناف المفاوضات غير المباشرة بترسيم الحدود البحرية مع العدو الإسرائيلي لحفظ حقّ كلّ لبناني في ثروة بلاده. علماً بأنّ «لجنة الإدارة والعدل» قد حمّلت أخيراً الحكومة المستقيلة المسؤولية الكاملة لكي تجتمع فوراً وتتخذ قراراً بتعديل المرسوم 6433 تحت طائلة المساءلة الدستورية بالإخلال بالواجب الوطني، وطالبتها بإلحاح بأن «تقوم بذلك قبل فوات الأوان وضمن المهل المطلوبة، وأن تتخذ كلّ التدابير لإبلاغ الأمم المتحدة بموقف لبنان والتعديلات عليه، وهي موثّقة ومثبتة وفقاً للعلم والقانون». وذكرت أنّه «في حال لم تقم الحكومة بإقرار المرسوم، فسترفع توصية الى الهيئة العامّة لكي تطلب من الحكومة أن تجتمع، وهنا تصبح توصية صادرة عن مجلس النواب للاجتماع في أسرع وقت».

وعلى ما يبدو، وبحسب المعلومات، فإنّ زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية السفير ديفيد هيل الأخيرة الى لبنان هدفت الى نقل الموقف «الإسرائيلي» المتمثّل بأنّه لا يأبه بما سيتخذه لبنان من خطوات في ما يتعلّق بترسيم الحدود البحرية، وأنّه سيمضي في أعمال شفط الغاز من حقل «كاريش» والمنطقة المحاذية له فور وصول باخرة «إنرجين» اليونانية في حزيران المقبل. فهل سيبقى المسؤولون اللبنانيون يتفرّجون بعد أن جعلت الإحداثيات الجديدة للجيش اللبناني جزءاً من مساحة الـ 2290 كلم2 ضمن المنطقة الإقتصادية الخالصة التابعة للبنان؟ وما هو المطلوب فعلاً لإنقاذ ثروة لبنان النفطية قبل أن يستولي عليها العدو الإسرائيلي الذي لا يأبه لا بالإتفاقيات ولا بالقوانين ولا بالمراسيم ولا بالقرارات الدولية؟

أوساط ديبلوماسية مطّلعة على ترسيم الحدود شكّكت في أن يُشكّل المرسوم 6433 المعدّل ضغطاً على «الإسرائيلي» يُجبره على العودة الى طاولة المفاوضات غير المباشرة، سيما أنّه مفاوض شرس لا يُستهان به على الإطلاق، ولا يخضع للقرارات الدولية بهذه السهولة. كما أنه يحضر الملفات بشكل جيد، وهو متمرس في مسائل ترسيم الحدود والأمن. وأوضحت أنّ هذا لا يعني الرضوخ والإستسلام أو ثني الحكومة عن تعديل المرسوم، على العكس تماماً. ولكن لا بدّ أولاً من وقف المماحكات الطفوليّة والمذهبيّة، والتعاون المخلص بين جميع المكوّنات، ووقف المفاوضات السريّة التي تُعقد من تحت الطاولة، واعتماد الشفافية في التعاطي مع الشعب اللبناني. هذا فضلاً عن ضرورة نشر الوثائق المتعلقة بالمفاوضات في الإعلام وفي مجلس النوّاب، توخياً لحصول حوار على الصعيد الوطني حول مسألة الحدود البريّة والبحرية مع سوريا وقبرص وفلسطين المحتلّة بهدف الوصول إلى إجماع وطني حول هذه المسألة الدقيقة والحسّاسة... ولا يبدو هذا الأمر مستحيلاً سيما أنّ لجنة الإدارة والعدل أظهرت الإجماع الوطني حول هذا الموضوع، وخصوصاً أنّها تتألّف من جميع الكتل النيابية الممثّلة في المجلس النيابي.

وأوضحت الاوساط، أنّه لا بدّ أيضاً من التوقّف عن الإنحياز الأعمى للخبراء الأجانب، سيما أنّ التجارب برهنت أن ما أوصى به «خط هوف» لم يحفظ حقّ لبنان كاملاً في مثلث النزاع الذي تبلغ مساحته 860 كلم2. فكيف إذا ما تمّ أخذ رأيهم في مساحة الـ 2290 التي تشمل مئات الكيلومترات ممّا يعتبرها العدو الإسرائيلي أنّه يدخل ضمن حدود منطقته البحرية؟ فهؤلاء الخبراء لا بدّ من اعتبارهم في النهاية مستشارين تمّ دفع أجرة مشورتهم، لا أن نكون مقيّدين بتوجيهاتم ومأمورين بها، في الوقت نفسه، تضيف الاوساط، على لبنان مواجهة الخارج بموقف وطني موحّد، على أن يعمل على تحريك السفارات اللبنانية في الخارج لإطلاعها على حيثيات الموقف اللبناني الذي سيتمّ بلورته مع الوقت وبعد حصول إجماع وطني عليه. ومن ثمّ الطلب من الديبلوماسية اللبنانية جسّ نبض الدول الأجنبية حول هذه المسألة، والاستفادة من خبراتهم الوطنية التي خاضوها في هذا المجال.

وعمّا إذا كان العدو الإسرائيلي اشترط على لبنان الاستعانة بـ «خبراء دوليين» مستحدثين، وعدم تعديل المرسوم 6433 كشرط أساسي لاستئناف المفاوضات من حيث انتهت، أي قبل عرض الوفد اللبناني المُفاوض لإحداثياته الجديدة، والعودة الى التفاوض على مثلث النزاع، قالت هذه الأوساط ان ليس على لبنان القبول بهذه الشروط، لأنّها نوع من اللجوء إلى التحكيم الباكور الذي سيجعل من الصعوبة بمكان التراجع عن مقرّرات هؤلاء الخبراء النهائية. مع أخذ العلم أن المفاوضات غير المباشرة لا تزال في بداياتها وأن وساطتي الأمم المتحدة والولايات المتحدة لم تظهر نتائجهما الملموسة بعد.

وفي ما يتعلّق بالترسيم، لفتت الاوساط الى أنّه على الدولة الإستمرار في الإعتماد على خبرائها المحليين، من دون إغفال التعاون مع خبراء أجانب. إذ ليس هناك ما يُسمّى «خبراء دوليين» أو «خبراء أمم متحدة» لترسيم حدودها. هذه إنّما هي تعابير «مجازية» غير دقيقة، ولكنها تُثار من أجل إقناع الشعب اللبناني بأن ما تقوم به الدولة مستندة إلى مصداقية «دولية» لا غبار عليها. وعقّبت أنّنا في الوقت الحالي لا نحتاج الى اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي بل الى التفاوض مع الدول الكبرى بشكل مباشر.

وبرأي الاوساط،، إنّ «صفقة القرن»، والتطبيع مع «اسرائيل»، والمحادثات بين إيران وأميركا، والدواء لمعالجة وباء «كورونا»... أمور تسير من دون أخذ لبنان بالإعتبار. وصحيح أنّ لبنان بلد صغير ومنقسم على نفسه، ولكنه لا يستحق أن يكون وليمة على مائدة اللئام ولا أن يتحوّل الى كراتشي البحر الأبيض المتوسط. يحقّ لنا أن نستفيد من ثروتنا النفطية مثل قبرص وسوريا وتركيا واليونان ومصر والعدو الإسرائيلي. نحن أيضاً بشر. فلماذا يريدون أن يسلبونا الحقّ في الحياة في دولة عادلة مستقرة؟ّ!

وتساءلت الأوساط ذاتها عن المغزى من كلّ هذه المناورات الأميركية - «الإسرائيلية» في المفاوضات، هل هي تهدف في واقعها الى جرّ لبنان الى التطبيع، شئنا أم أبينا؟ أم تكون هذه المناورات للضغط على لبنان في ملفات عديدة، وعلى رأسها ملف النفط والنازحين السوريين؟