الأسئلة التي انفجرت في المنطقة، وفي العالم، كانت أكثر دوياً من الصاروخ الذي انفجر على مقربة من مفاعل ديمونا. لن نتوقف عند السؤال البديهي : لماذا قرب مفاعل ديمونا ... ؟

المفاجأة كانت من الحرس الثوري الذي تجاوز كل التحليلات، وكل التفسيرات، بل وكل التوقعات. قال ان الصاروخ ليس أرض ـ جو، بل صاروخ أرض ـ أرض، ومن طراز «الفاتح ـ 110». هل كان القصد أن ينفجر في فيينا للحيلولة دون العودة المتزامنة الى الاتفاق النووي، عقب الأحاديث المتلاحقة عن حصول اختراقات دراماتيكية في الجدار الأميركي ـ الايراني ؟

لطالما تردد وراء الضوء أن المحافظين في ايران لا يريدون التوصل الى الحل قبل الانتخابات الرئاسية في حزيران. لا ينكرون أن الوضع الاقتصادي (والوضع المعيشي) أكثر من أن يكون دقيقاً، لكنهم يخشون من فوز مرشح اصلاحي قد يمضي  في خطوات التطبيع، ما يؤدي الى التحلل (الايديولوجي والسوسيولوجي) للنظام.

تالياً، الانقلاب المخملي والتدريجي على كل المفاهيم الثورية، والدخول في ... ثقافة العولمة.

الصاروخ الطائش ربما كان الأكثر عقلانية من سائر الصواريخ الأخرى. ضرب حيثما ينبغي أن يضرب، وحيثما يريد أصحاب القرار أن يضرب. منذ أن كانت هيلاري كلينتون وزيرة للخارجية لاحظت أن «اسرائيل» ما بعد الصواريخ هي غير «اسرائيل» ما قبل الصواريخ. كاد اللوبي اليهودي يعريها حتى من ثيابها، قبل أن يقطع عليها الطريق الى البيت الأبيض.

أي «اسرائيل»، بل أي فضيحة في «اسرائيل»، بعد «الصاروخ الطائش»؟ لم يتفجر في الجليل، ولا على ضفاف المتوسط. قطع كل أجواء «اسرائيل»، ووصل الى النقب الذي ألحقه دافيد بن غوريون، عسكرياً، بالدولة العبرية بعد 7 أشهر من اعلان قيام الدولة.

الرسالة كانت واضحة. مفاعل ديمونا، أبو القنبلة النووية، والذي بناه غي موليه لصديقه دافيد بن غوريون من أجل كسر جمال عبد الناصر، في متناول أيدينا. لو شاء الذين أطلقوا الصاروخ ـ اللغز أن يفجروا المفاعل لفعلوا. الآن تحذير تكتيكي، وان كانت تصريحات نائب قائد فيلق القدس قد أعطت العملية بعداً آخر ...

صاروخ واحد عبر 280 كيلومتراً فوق «اسرائيل». اين كانت القبة الحديدية التي طالما حاول «الاسرائيليون» تسويقها على أنها أكثر فاعلية من «الباتريوت» الأميركي، ومن الـ»اس. اس ـ 400» الروسي ؟ حتى أن معلقين عسكريين من أهل اليمين أطلقوا عليها «قبة داود» كرديف (توراتي) لنجمة داود !

قبة داود «لم تشتغل». يا للتبرير الكاريكاتوري ! حتى العرب الذين وصلوا الى حد التماهي اللاهوتي مع «اسرائيل»، وعرضوا اعادة بناء الهيكل بالذهب، لا بالخشب، لم يتمكنوا من اخفاء ذهولهم، بل وصدمتهم، حيال ما جرى.

«اسرائيل» التي لا تقهر، كونها «الابنة الكبرى لله»، كما وصفها هاري ترومان، والتي راهن أصدقاؤها العرب عليها كذراع عسكرية ضاربة تتولى حمايتهم اذا ما رحل الأميركيون عن الشرق الأوسط (حتماً سترحل معهم)، اظهرت، في تلك اللحظة الصاروخية، أنها، فعلاً، أوهى من ... بيت العنكبوت.

كيف لدولة تفتش، ولو بعد عقود، عن جثث جنودها التي ضاعت أثناء الحروب بما في ذلك حرب 1948، أن تتحمل عشرات ألوف الصواريخ تنهال عليها من كل حدب وصوب، والأهم سقوط عشرات آلاف القتلى ؟

المعلق في «هاآرتس» آري شابيط تساءل ما اذا كان ناحوم غولدمان، أحد آباء الدولة، والرئيس السابق للمؤتمر اليهودي العالمي، على حق حين دعا الى تحويل «اسرائيل» من ثكنة الى كنيس. نوع من الفاتيكان اليهودي لأن القوة لا يمكن أن تكون عابرة للأزمنة. في أي وقت قد ينقلب ميزان القوى ويعود «بنو اسرائيل» الى التيه.

شابيط هو من قال ان «اسرائيل تلفظ أنفاسها الأخيرة». الارتباك «الاسرائيلي» كان في ذروته. لماذا الرد بغارات على مواقع عسكرية قرب دمشق اذا كان الصاروخ طائشاً ؟

المسألة باتت تحتاج الى الكثير من التأمل ومن اعادة النظر في السياسات الراهنة. الى اين يذهب العقل الاسبارطي باليهود ؟ وهل من المنطقي الرهان، الى الأبد، على مؤازرة الولايات المتحدة التي لها حساباتها، ومصالحها، التي لا بد أن تتغير في المكان والزمان ؟

هذه عيّنة من الأسئلة التي تطرح  في «اسرائيل»، الغرابة هنا أن الذين يسألون لا يفكرون بـ»الطريق الأخرى»، بل انهم يزدادون انغلاقاً، واصرارأ، على التشبث بالبنية العسكرية، والتلمودية، للدولة، كون يهوه الذي تركهم بين يدي أدولف هتلر لن يرتكب «الخطأ» مرة أخرى ويتركهم بين يدي أي عدو آخر بعدما عاد بهم الى أرض الميعاد.

لم يدركوا، ولن يدركوا، أن «الصاروخ الطائش» سقط في أكثر» الأماكن «الاسرائيلية» حساسية دون أن يحرك «يهوه» ساكناً ...