حكاية اليوم خالدة مع الزمن، تحكي عن بلد يشبه لبنان برُقيّه، جماله وجمال ناسه، يشبهه حتّى في تحمّل ظلم الاستعمار وقسوة الاحتلال. إنّها أرمينيا... البلد الذي صّدر شعوباً راقية، وفيّة، ووطنية فرشت أرض الدول التي توافدت إليها هرباً من جلاد عثمانيّ بأسمى الصفات والمبادىء. للبنان حصّة الأسد من توافد شعوب أرمنية إليه هربت من ظلم الإستعمار وحقارة العثمانيين وعنف مجازرهم. فيعود الوجود الأرمني في لبنان إلى أوائل القرن العشرين نتيجة الإبادة التي ارتكبتها السلطنة العثمانية (تركيا اليوم) ضد الشعب الأرمني.

أمام الأعداد الكبيرة التي توافدت إلى لبنان، كان لا بد من تنظيم الحياة الطبيعية بغية إعادة الأمل والاستقرار للمنكوبين، فمع مرور الزمن، خرج الأرمن من مخيماتهم في بيروت وتوزعوا وانتشروا في مختلف المناطق اللبنانية إلا أن المركز الرئيسي كان منطقة برج حمود. وبرز الأرمن في لبنان، فحملوا الجنسية اللّبنانية وحافظواعلى لغتهم وتمسّكهم بتاريخهم وبلدهم الأم، في كل المجالات من صناعة وتجارة وثقافة وسياسة وفن كما انخرطوا في الحياة الإجتماعية  مؤسسين العديد من الجمعيات الإجتماعية مثل: «جمعية صليب إعانة الأرمن»، «جمعية جينيشيان»، و»مؤسسة قرى قوزيان» وغيرها... الإلتزام الديني كان من أبرز العناصر التي ارتكز عليها الأرمن في لبنان، فلهم الكنيسة الأرمنية الرسولية الأورثوذكسية، والكنيسة الأرمنية الكاثوليكية والكنيسة الأرمنية الإنجيلية.

ثقافيا، تترجم حب المعرفة والإضطلاع في تأسيس مدارس وجامعات وحتى مجلات سياسية وإجتماعية، كما وأن في مجال الإعلام، لا بد من الوقوف أمام ظاهرة الإذاعات، فأيام الحرب اللبنانية تم إنشاء اذاعات أرمنية عديدة في لبنان، ولكن بعد صدور قانون الاعلام المرئي والمسموع، بقيت إذاعة واحدة هي «إذاعة صوت فان» تبث يوميا على مدار الساعة بإشراف حزب الطاشناق.

سياسياً، يتمثل الأرمن في لبنان بأحزاب تتابع قضاياهم وترفع صوتهم في البرلمان والحكومات وهي: حزب الطاشناق وحزب الهنشاك وحزب الرامنغفار.

في الذكرى الإبادة الأرمنية التي تصادف اليوم ، كان لـ «الديار» دردشة مع الاعلامية والنائبة بولا يعقوبيان ومع الكاتبة والممثلة كلوديا مرشليان.

} بولا يعقوبيان: التمسوا من الأرمن

الوقوف بوجه الظلم! }

في حديث لـ «الديار» أكّدت يعقوبيان أن للأرمن في لبنان حقوقا سياسية واجتماعية تمتّعوا بها منذ لجوئهم الى جبل لبنان هرباً من الاضطهاد باعتباره الملاذ الآمن، وتمثّلت بدخولهم المنظومة السياسية بعد تأسيس أحزابهم فأصبحوا في صلب الدولة المقسمة طائفياً ومذهبياً للأسف، في حين أن اللّبنانيين يتشاركون الأهداف والتطلعات وحتّى المصيبة... يبحثون عن اقتصاد أفضل وحياة أفضل بجميع تشعباتها...

أما حياتياً تشرح يعقوبيان: «اقتصادياً وصلنا في لبنان الى مكان مخيف جدّاً، إذ نتلقى في حملة «كفى» آلاف الاتصالات يومياً للمساعدة في أدنى متطلبات العيش من طعام وحليب الأطفال وحتّى الأدوية التي كنّا نحسب بأنها بمتناول الجميع، نعمل جاهدين على مساعدة ما أمكن من الأشخاص والعائلات التي هي بحاجة... وما أكثرهم اليوم!».

وعن الرسالة التي توجّهها للّبنانيين من جذور أرمنية في ذكرى الإبادة الأرمنية تقول: «بمناسبة 24 نيسان أدعو الأرمن وغير الأرمن للوقوف ضدّ الظالم مهما كان هذا الظالم قويّا، أدعوهم للوقوف الى جانب الحق مهما كان الثمن، فهذا يختصر معاناتنا كلبنانيين عامة نعاني من فساد السلطات التي تعمل من أجل المصالح ولا تعمل من أجل الإنسان».

 كلوديا مرشليان: مأساة اليوم غطّت على مآسي الماضي 

فنّياً، وعن شهادة حياتها تقول مرشليان ل «الديار» انّ جّدّها كان قد اعتاد زيارة لبنان مع والده الّذي كان من أبرز تجّار الأجبان وانتهى به المطاف هنا خلال المجازر التي اقترفها الأتراك ضد الأرمن.

وتضيف: «برزت اسماء اللّبنانيين من جذور أرمنية في جميع المجالات فنياً، سياسياً، فكرياً وأدبياً وحتى تجارياً لأن الانسان الّذي يعيش ببلد وله جذور في بلد آخر يتمتّع ربّما بخيال أوسع يُترجم الغموض الّذي بداخله في العمل الّذي يُنجزه. فأنا أعتبر أن المواطن في لبنان بغضّ النظر عن الجذور، يعيش حسنات وسيّئات البلد، فاليوم المعانات واحدة وتشمل كلّ من يحمل الجنسية اللّبنانية. وأدعو اللبنانيين من جذور أرمنية إلى المحافظة على إيمانهم الكبير والتعاطف مع أجدادهم الأمر الذي لم يستسلموا عنه بالرغم من مرور السنين.

وأتمنّى أن تعود إحياء هذه الذكرى كالسابق لأننا في السنوات القليلة الماضية التمسنا خفت نور الذكرى فهل يعود السبب الى أنّ مأساتنا اليوم غطّت على مأسات الماضي؟ وأدعو أرمن لبنان الى تثبيت إيمانهم بالحق المُغتصب من أجدادهم، حافظوا على تواصلكم الفكري والعاطفي مع من استشهدوا».

بالفخر والاعتزاز يشمخ الجبين وتُرفَعُ رأس أرمنيّ يمشي في شوارع لبنان مُستذكراً بصمت الشّعب الوحيد الّذي لجأ لهذه الأرض، عمِل من أجل تطويرها وتحسينها وساهم في إنعاش قطاعاتها، في الوقت الذي كانت الشعوب اللاجئة الأخرى مصدر مشاكل وحروب متناثرة وخراب طمعاً بالارض لا بالهوية.... فالهوية لا تليق الا بمن استحقّها بفعل وفائه وولائه!