يرتفع منسوب الخلاف السياسي في ظل صعوبة حصول أي حوار في بعبدا، بعدما عُلم بأن بعض المستشارين كان في صدد إقناع رئيس الجمهورية بحصول لقاء في القصر الجمهوري على غرار اللقاءات السابقة لحشر بعض الأطراف التي ستستنكف عن الحضور، ودفعها إلى الإعتذار، وبالتالي، تحميلها مسؤولية هذا الغياب أمام اللبنانيين، إلا أن توالي الأحداث وخطورتها، إن على الصعيد الداخلي أو الإقليمي، فذلك أدّى إلى صرف النظر في هذه المرحلة عن هذه الخطوة، باعتبار أنهم أدركوا أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري سيرفض رفضاً قاطعاً إقامة أي طاولة للحوار في هذا التوقيت لتعويم أي طرف سياسي، وخصوصاً على أبواب الإستحقاقات الداهمة، إضافة إلى أن مثل هكذا «طاولات» لم تعطِ أي نتيجة، والدلالة أن كبار الموفدين الدوليين والعرب الذين زاروا لبنان مؤخراً، لم يتمكّنوا من إحداث أي خرق على صعيد الملف اللبناني، وفقاً للظروف غير المتاحة حالياً لا إقليمياً أو دولياً، لتسوية الملف اللبناني من خلال عقد مؤتمر وطني في باريس، كما تم التداول في هذه المسألة، أو حتى في لبنان، قبل أن تتوضح الصورة في أماكن النزاع الأساسية لدى عواصم القرار، ولا سيما في سوريا والعراق واليمن، إضافة إلى المستجدّات الراهنة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة من خلال المواجهات بين الفلسطينيين وجنود الإحتلال الإسرائيلي، ممّا يبقي لبنان في دائرة الإنتظار والترقّب لمجريات التطورات في المنطقة ليُبنى على الشيء مقتضاه داخلياً.

وفي السياق، تحدثت المعلومات، عن أن الملف اللبناني باقٍ في دائرة هذا الترقّب إلى حين نضوج المؤشّرات حيال بعض المحطات التي تعتبر من الأساسيات لدى الإدارة الأميركية والأوروبيين، ولا سيما المفاوضات النووية مع طهران، والتي ستستغرق فترة طويلة، كما قال السفير دايفيد هيل للذين التقاهم في بيروت، وحثّهم على التحرّك سريعاً. وبناءً على هذه الأجواء التي لا توحي بأن لبنان سيخرج من أزماته في وقت قريب، فذلك، ما سيدفع بالقوى المحلية، وبرضى الدول المعنية بالملف اللبناني، إلى إبقاء الوضع على ما هو عليه حكومياً، أي استمرار حكومة تصريف الأعمال في مهامها، وإعادة تفعيل الوزارات الخدماتية لتخفيف وطأة الإنهيار المالي والإقتصادي، على أن يأتي المخرج للإستحقاقات الدستورية الراهنة، مع ضمانات دولية بالمساعدة في منع حصول حروب أو فوضى في لبنان، عبر سلسلة خطوات وإجراءات تحدّ من هذا الإنهيار المتواصل على الخطوط الإقتصادية والمالية والمعيشية، أولها ضبط الأمن من خلال تعزيز دور الجيش اللبناني ودعمه على صعيد توفير مستلزماته اللوجستية والإجتماعية، وهذا أيضاً ما نُقل عن الموفد الأميركي هيل في زيارته الأخيرة للبنان، بمعنى أن هذه المؤسّسة خط أحمر، ولا يُمكن السماح لأحد بالمسّ بها، وثانيها، توفير بعض المساعدات الدولية العاجلة للمؤسّسات الإجتماعية والصحية والتربوية، بهدف قطع الطريق على أي توجّه لرفع الدعم عن المحروقات والدواء والسلع الأساسية الإستهلاكية، وذلك تجنّباً لأي إشكالات وفوضى من شأنهما أن يؤدّيا في المحصلة إلى اهتزازات أمنية واستغلالها من جهات طارئة أو من هذا الطابور وذاك.

من هنا، فإن لبنان في ثلاجة الإنتظار لاستحقاقاته السياسية والدستورية، ما يدلّ وأمام هذا الواقع على صعوبة تشكيل حكومة في المدى المنظور، ربطاً بهذا الكمّ من الإنقسامات الداخلية والخارجية، بينما يبقى المنحى الإقتصادي والإجتماعي كالقنبلة الموقوتة، ولا سيما في حال استمرّ هذا النزف المتواصل أو تقرّر رفع الدعم ، ولهذه الغاية تجري الإتصالات وفق المعلومات نفسها، مع الدول المانحة لتقديم المساعدات العاجلة، وبإشراف مباشر منها، وكذلك بالتعاون مع الصليب الأحمر اللبناني والدولي ومؤسّسات خاصة موثوق بها.