شكلت المخدرات زراعة وصناعة وتجارة وترويجا مصدر دخل للبنان واحدى دعائم اقتصاده لا سيما في فترة الحرب الاهلية اذ يصف احد وزراء المال السابقين اقتصاد لبنان في تلك المرحلة بالمقنع يقوم على ثلاث دعائم تأتيه بالاموال من الخارج وهي: المغتربون، المخدرات والمال السياسي، حيث منعت هذه الاموال الاقتصاد من ان ينهار لا سيما في زمن الحرب واستمرت الدورة الاقتصادية قائمة الى حد ما، وخلقت اسواق موازية ولا مركزية، بعد تدمير الاسواق في وسط بيروت.

لكن هذا لا يعني ان الاقتصاد يجب ان ينشأ على قاعدة غير ثابتة ومتحولة بل هو واقع يجب ان يُذكر يقول الوزير السابق للمال الذي اشار الى انه بعد الحملة الدولية لمنع زراعة المخدرات امتثل لبنان لها في مطلع التسعينات، كما دول اخرى، لكن لم يحصل على البديل ولم يؤمن لزارع المخدرات الزراعة البديلة لا سيما في البقاع التي اشتهرت بزراعة هذا النوع من النبات الممنوع للاستعمال الشخصي، والمسموح للاستخدام في الطب، اذ دعا رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الى تشريع زراعة المخدرات وصدر قانون بها للشأن الطبي، وبذلك تكون هذه المشكلة لاقت جزءا من الحل، وتأمين بدائل اخرى في اقتصاد منتج، وفق الوزير السابق الذي يعيد السبب الى غياب الانماء المتوازن، الذي يبقى حبرا على ورق فلم تقم خطة لاقامة مصانع في مناطق ريفية ونائية حيث توجد اراض واسعة المساحة فيتوقف الزحف نحو المدن، التي نشأت على اطرافها مدن صناعية جاءت بعمال يقيمون في احياء متواضعة وفقيرة سميت بـ «احزمة الفقر» فولّدت ازمات اجتماعية وطبقية.

فموضوع المخدرات هو جزء من اقتصاد لبنان كما في دول اخرى كأفغانستان وكولومبيا مثلا وفيه مزارعون وتجار واستحدثت معامل لصناعة حبوب «الكابتاغون» الذي بات الاكثر رواجا ولا يمكن النظر الى الشحنة التي اوقفت في السعودية، الاسبوع الماضي، الا من هذا المنظار المالي ولو قادمة من لبنان ومعبأة في فواكه الرمان، اذ دلت التحقيقات الامنية الاولية، بان وراءها مجموعة منظمة من صانعي حبوب «الكابتاغون» الى المروّج لها كتاجر، اضافة الى مسهلي عبورها من سوريا الى لبنان ومنه الى السعودية، وربما الى دول اخرى، وهذه العملية ليست جديدة، بل هي تحصل منذ عقود، وفق مرجع امني، اذ ان المخدرات اكتشفت في «الرمان»، وقبل ذلك في وسائل اخرى وعديدة، ولم يترك المهربون اسلوباً الا ولجأوا اليه، لنقل بضاعتهم بطرق غير شرعية، وعندما كانت شحنة ما، تصادر، فانما يكون ذلك عن خرق امني، او خلاف بين «المافيا»، او تراجع صاحب البضاعة عن تعهده بالدفع، وكانت العملية تتم عبر تواطؤ بين المهرب وامنيين وغطاء سياسي واحياناً قضائي، وهذه المسائل معلومة في لبنان.

فتوقيف شحنة مخدرات في السعودية، مصدرها لبنان، لم يكن مفاجئاً وليس جديداً، فمثل هذه العملية تحصل دائماً وفي كل الدول، وتجارة المخدرات وهي من الممنوعات، لها نظامها وآليتها وسجلها، اذ سبق واعتقل امير سعودي في لبنان قبل سنوات، يشحن حبوب «الكابتاغون»، في مطار بيروت، وسجن في لبنان ولُقب «بأمير الكابتاغون»، ولم تحصل ضجة كالتي حصلت مع الشحنة الاخيرة، التي يجب على الاجهزة الامنية والسلطات القضائية السعودية، الكشف عنها بكامل تفاصيلها، وكذلك على لبنان ان يقوم بذلك، وفق البيان الذي صدر عن الاجتماع الوزاري والامني والقضائي في القصر الجمهوري، وهو جاء كرد فعل على القرار السعودي بمنع دخول المنتجات الزراعية اللبنانية الى المملكة التي تضامنت معها بعض دول الخليج، وهذا حق لها، بان تحمي مجتمعها من الآفة المدمرة له، لكن ما لا يجب ان يحصل، ان يعاقب المزارع اللبناني، لا من هو وراء الشحنة كافراد او مجموعة، وهذا ما جرى الحديث عنه في اجتماع قصر بعبدا، على ان تحصر القضية بمن قام بالتهريب، لا ان يعاقب لبنان واقتصاده، اذ ستجري اتصالات رسمية لبنانية مع السعودية، كلف بها وزير الداخلية محمد فهمي، لوضع تهريب المخدرات، الى المملكة في اطار امني، وليس سياسياً، وتوجيه الاتهام السياسي، نحو جهة حزبية لتصفية حسابات سياسية، وفق مصدر وزاري الذي اكد ان لبنان، لا يكف عن محاربة المخدرات زراعة وصناعة وتجارة، وتقوم القوى العسكرية والامنية، بمهامها في ملاحقة كل من يقوم بهذا العمل الممنوع قانوناً، وتقدم في هذا المجال الامني بين دول عدة تعاني من موضوع المخدرات.

فهل ستلاقي شحنة المخدرات الموقوفة في السعودية، طريقاً للحل، بعد ان اتخذت المملكة قرارها بوقف الاستيراد من لبنان، في ظل ازمة مالية واقتصادية واجتماعية خانقة؟

ان السعودية، المنكفئة سياسياً عن لبنان، ليست مستعجلةلايجاد حل للازمة التي استجدت، لانها هي في الاساس، تؤكد عبر مسؤولين فيها، انها غير معنية بما يحصل في لبنان، لا سيما في تشكيل الحكومة، التي اعلنت رأيها فيها، بان لا يكون حزب الله ممثلاً فيها، وفي ضوء ذلك تعلن موقفها، وهذا ما صار معلوماً، ولذلك خفض لبنان اتصاله بالمملكة الى المستوى الامني، بتكليف وزير الداخلية، والنظر الى الموضوع من هذه الزاوية، ورفض تسييس شحنة المخدرات، التي لم تكن الاولى، وليس لبنان هو الدولة الوحيدة، التي تنشط فيها زراعة وصناعة وتجارة المخدرات، بل دول اخرى، لا تتوقف عن تصدير هذه المادة المدمرة الى كل المجتمعات.