لا شيء يوحي بأن حكومة تلوح في الأفق، لا رضى خارجي، ولا توافقٌ داخلي. من الداخل المتوتر رُحّل ملف الحكومة الى الخارج الذي يتفاوت سعيه بين الحل وعدمه. طائرة تحط هناك وأخرى تقلع، و موسكو هي القبلة والوجهة هذه المرة، علها تكون الدولة التي ستنهي هذا المشهد الحكومي.

ومع كثرة التجاذبات السياسية التي تطغى على المشهد اللبناني، يصل النائب جبران باسيل مساء اليوم الأربعاء الى موسكو، ليلتقي عدداً من المسؤولين الروس ومن ضمنهم وزير الخارجية سيرغي لافروف من أجل بحث الملف الحكومي العالق بين باسيل والحريري.

زيارة باسيل الى موسكو تأتي ضمن سياق الرد على الكلام الذي يشير الى أن باسيل صار معزولاً دولياً، وكان مستشار رئيس الجمهورية اللبنانية أمل ابو زيد قد عمل على التمهيد السياسي واللوجستي لهذه الزيارة التي تأتي بعد زيارتين لبنانيتين تمّتا أخيراً الى موسكو: الأولى لوفد من حزب الله برئاسة النائب محمد رعد، والثانية للرئيس المكلف سعد الحريري.

يبدو أن موسكو تصر بشكل كبير على حل الأزمتين في لبنان المتمثلتين بالأزمتين الإقتصادية والحكومية، والتي تسعى الى حلهما، بعدما تدخلت فرنسا وقدمت مبادرتها في آب من العام الماضي، والتي حتى هذه اللحظة لم تثمر ولم تؤتِ أكلها، فلا التهديد جاء بالمنفعة مع هذه الطبقة السياسية، ولا الغزل واللين، فالتراجع والإنهيار الإقتصادي سيدا الموقف، فهل سينجح «الكرملين» في تشكيل الحكومة التي من المفترض أن تكون إنقاذية، أم أنه سيتساوى مع «الايليزية» في عدم القدرة على التشكيل؟

في الشكل والمضمون يجد الروس الفرنسيون أنهم لا يستطيعون صنع الحلول في لبنان نظراً للأوضاع الإقليمية والدولية، ناهيك بالنسيج اللبناني المتصارع، سيما أنهم على قناعة كاملة بأن الارتياح الروسي والأميركي سينعكس بشكلٍ إيجابي على المستوى الدولي والإقليمي، بالإضافة الى اصرار روسيا على الإستمرار في تواجدها على الساحة السورية التي تعيش أزمة عسكرية نتيجة الضربات التي توجه إليها بين فترة وأخرى، لهذا فإن التقرب الى السياسية اللبنانية عبر بوابة تشكيل الحكومة يفتح الباب عَلى بقائها لفترة أطول في سوريا، لذا فهي ستعمل جاهدة على التعاطي مع الملف اللبناني والتواصل مع كل الأطراف من أجل تشكيل حكومة برئاسة سعد الحريري.

وفي معلومات خاصة، فإن الروس على اتفاق مع الرئيس المكلف حول شكل الحكومة، لكنهم يختلفون معه في عدد الوزراء الذي يصر على ان تكون ١٨ وزيراً، الا ان الروس لم يتوقفوا على عدد الوزراء، تمشياً مع وضع البلاد ومن أجل الخروج بحلول سريعة، وهم يتحدثون عن ٢٤ وزيرا من أجل حل هذه العقدة. وتضيف المعلومات ان روسيا تصر على عدم استثناء اي طرف لبناني من عملية التشكيل، وأنها تقف مع الجميع في لبنان وهذا ما ظهر من خلال اللقاءات التي عقدت في موسكو مؤخراً.

مصادر ديبلوماسية نقلت عن نائب وزير الخارجية الروسي والمبعوث الخاص للرئيس فلاديمير بوتين الى الشرق الأوسط ودول أفريقيا ميخائيل بوغدانوف تأكيده انّ لافروف يريد اللقاء مع باسيل بعد معلومات وصلت الى روسيا تفيد بأنّ رئيس التيار الوطني الحر سيُبدي مرونة وسيقدم تسهيلات في الملف الحكومي.

وتقول المعلومات أن أحد الأصدقاء اللبنانيين سأل بوغدانوف: هل صدقتم انّ باسيل سيكون مستعداً للتنازل من البوابة الروسية؟ في إشارة واضحة الى عدم استقبال باسيل في باريس بعد أن تسربت معلومات بأن ماكرون طلب من باسيل عدم الحضور الى فرنسا في حال عدم موافقته على الشروط بشكل كامل في ملف التشكيل...

الأزمة اللبنانية ستكون مسار بحث بين بوغدانوف وعدد من المسؤولين الفرنسيين في باريس، فهل سينجح الطرفان الروسي والفرنسي بوضع حلولٍ حقيقية ومساعدة لبنان؟ أم أن الضغط الأميركي سيزداد في هذه المرحلة أيضاً من أجل عدم التشكيل إلا بشروط أميركية؟ ماذا عن السعودية ودورها وعدم قبولها سعد الحريري علناً وبشكل واضح؟

كل هذه التساؤلات ستطرح في هذه المرحلة حتى انتظار ما سيرشح من زيارة باسيل الى موسكو، ومن زيارات آخرين الى دول أخرى...