يُحاول مواجهة الخط 29 اللبناني بالخط 310 «الوهمي» عبر «توسيع متطرّف» على خريطته

يبدو أنّ العدو الإسرائيلي يستعدّ للردّ على ما وصفه بـ «رفع سقف المطالب اللبنانية في ملف ترسيم الحدود البحرية»،عبر «توسيع متطرّف» للمساحة التي يُطالب بها في المنطقة البحرية اللبنانية، وذلك بالعودة الى «التهديد» باعتماد الخط 310 (أو ما يُعرف بـ «الخط الأحمر») الذي يتعدّى على مئات الكيلومترات من المنطقة الإقتصادية اللبنانية. في الوقت الذي علّقت فيه مطالبة لبنان الأخيرة من الوسيط الأميركي في المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية، بالمساعدة على الإستعانة بخبراء من دول الخارج لترسيم الخط البحري، مسألة تعديل المرسوم 6433/2011 من قبل مجلس الوزراء مجتمعاً وإيداعه لدى الأمم المتحدة والذي يهدف الى حفظ حقوق لبنان البحرية ضمن الخط الذي ينتهي بالنقطة 29 والذي على أساسه تفاوض الوفد اللبناني مع العدو الإسرائيلي. ولم تقم الحكومة حتى الآن بتقديم أي بديل عن تعديل المرسوم الموجود حالياً في أدراج مجلس الوزراء.

أوساط ديبلوماسية متابعة أشارت الى أنّ ما ذكرته إحدى صحف العدو عن استعداده لرفع سقف مطالبه ليس جديداً، إذ سبق وأن روّج لاعتماد الخط 310 في وسائل الإعلام قبل أول جولة للمفاوضات غير المباشرة بخمسة أيّام أي في 11/11/2020. وهذا الخط هو خط وهمي ليس له أي أساس تقني أو قانوني لكي يُفاوض «الإسرائيلي» على أساسه. أمّا أن يعود الى الحديث عنه اليوم بعد أكثر من خمسة أشهر على «تعليق المفاوضات»، فلأنّه تبلّغ من الوسيط الاميركي ربما موقف لبنان المتمسّك بالنقاش حول الخط الذي ينتهي بالنقطة 29، وليس بالنقطة 23، كونه خطّاً تقنياً وقانونياً ومرسّماً وفق الإتفاقيات والمعايير الدولية.

وعمّا أعلنه «الإسرائيلي» عن أنّ الخطّ الجديد يعتمد على الحدود البحرية بين قبرص ولبنان، وعن قول مصدر في «وزارة الطاقة الإسرائيلية» إنّ «هذه لم تكن نيّتنا الأصلية، لكن في اللحظة التي تحرّك فيها لبنان قُدماً في تقديم خطّه، جهّزنا لتقديم خطّنا الذي يتعدّى - انسجاماً مع خطّهم - على مئات الكيلومترات من المياه الإقتصادية اللبنانية»، مشيراً الى أنّ «الخطّ الجديد لا يروّج لحلّ لكنه يخلق التناسق»، أوضحت الاوساط أنّ ما يُعلنه العدو الإسرائيلي ليس سوى «مناورة» وقد اعتاد لبنان على أسلوبه هذا. ويبدو أنّه يقوم بردّة فعل إستباقيّة لما أعلنه لبنان عن توقيع تعديل المرسوم 6433 لتوسيع المنطقة البحرية المتنازع عليها مع العدو. غير أنّ هذه الخطوة تنتظر حتى الآن دعوة رئيس الحكومة المستقيلة حسّان دياب مجلس الوزراء الى جلسة إستثنائية للتوقيع على المرسوم المذكور ومن ثمّ إيداعه لدى الأمم المتحدة.

أمّا أصل النزاع، على ما لفتت الاوساط فيعود الى تحديد نقطة ترسيم الحدود البريّة في رأس الناقورة التي يُفترض أن تكون أساسية لترسيم الحدود البحرية. فبحسب القانون، إنّ أول ما يجب القيام به عند ترسيم الحدود بين دولتين متلاصقتين، كما هو الحال بين لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلّة، هو الإنطلاق من نقطة التقاء الحدود البريّة مع الخط الساحلي أي من نقطة إنطلاق الحدود البريّة على الشاطىء. وهذا الأمر يفرضه القانون والمنطق،لهذا السبب يجب اللجوء للقواعد القانونية في هذا السياق. ولأنّ الدول المستقلّة ترث حدود الدول المستعمرة، يعود لبنان الى الحدود البريّة التي اتفق عليها الفرنسيون والبريطانيون في اتفاقية بوليه/نيو كومب لعام 1923 التي رسمت الحدود البريّة بين لبنان الكبير وسوريا من جهة وفلسطين من جهة أخرى. وتنصّ هذه الإتفاقية على أنّ الحدود تبدأ من البحر الأبيض المتوسط إنطلاقاً من النقطة المعروفة بـ «رأس الناقورة» وتتبع خطّ القمم حتى أول معلم حدودي الذي يقع على بعد 50 متراً فوق مخفر الدرك بفلسطين. كما يستند الى اتفاقية الهدنة للعام 1949 التي نصّت على وضع «خط هدنة» للتفريق بين الجيش اللبناني وجيش العدو الإسرائيلي، وعلى أنّه لا بدّ وأن يتبع خط الحدود الدولية أي خط بوليه/نيو كومب. وهذه كلّها تؤكّد على صحّة نقطة رأس الناقورة التي منها يجب الإنطلاق لتحديد الحدود البحرية للبنان.

ولأنّ الخط المعلن من قبل العدو والذي ينتهي بالنقطة 1 ساقط قانوناً لأنّه يبدأ على بعد أمتار عدّة من شمال رأس الناقورة، كما الخط 23 المُعلن من قبل لبنان ساقط أيضاً كونه يبعد هو أيضاً 30 متراً في البحر غرب نقطة رأس الناقورة، قرّر لبنان اعتماد الخط 29 كونه خط سليم يبدأ من رأس الناقورة، ويتجه جنوب غرب حسب تقنية «خط الوسط»، ويرتكز على القانون الدولي. كما رفض ما يودّ»الإسرائيلي» تبريره لاعتماد الخط 1 مع لبنان، وهو أنّه يُمثّل نقطة حدود المنطقة الإقتصادية بينه وبين قبرص وفق اتفاق منفصل وقّعه معها.

وتقول الأوساط نفسها إنّ الواقع حتى الآن هو أنّ الخط الأزرق أو الذي ينتهي بالنقطة 1 هو المودع من قبل العدو لدى الأمم المتحدة، والخط الأخضر أو الذي ينتهي بالنقطة 23 هو المُعلن من قبل لبنان لديها. ولهذا، فإنّ ادّعاء «الإسرائيلي» أنّه سيوسّع مساحته بشكل متطرّف بحيث «يبلع» البلوك 8 بالكامل، ونصف البلوكين 5 و9، يأتي كردّ فعل على ما قد ينوي لبنان فعله. فإذا عدّل لبنان المرسوم 6433 مُعتمداً الخط الذي ينتهي بالنقطة 29 والتي فاوض لبنان على أساسه، يُصبح حقل «كاريش» بكامله والبلوك 72 ضمن المياه اللبنانية، ما يعني توسيع ما تُسمّى «منطقة النزاع» الى نحو 2300 كلم2.

والأمر يكون أسوأ، بالنسبة لـ «الإسرائيلي» في حال اعتمد لبنان خطوطاً «متطرّفة» أخرى مثل «خط الوسط» أو الخط الموازي لخطوط العرض، أو الخط الموازي لامتداد الحدود البريّة كونها تقتطع حقولاً نفطية «إسرائيلية»أخرى وتضمّها للمنطقة الإقتصادية اللبنانية. غير أنّ لا شيء مؤكّد حتى الآن، على ما عقّبت الأوساط، فالمرسوم 6433 لا يزال عالقاً في أدراج مجلس الوزراء اللبناني المستقيل، والعدو الإسرائيلي لا يملك المعايير القانونية اللازمة لاعتماد الخط 310 لدى الأمم المتحدة الذي يمتدّ الى الشمال بشكل أكبر من موقفه خلال المفاوضات غير المباشرة الأخيرة التي عُقدت في مقرّ قوّات «اليونيفيل» في الناقورة لأول مرّة منذ 30 عاماً، على 4 جولات برعاية أممية ووساطة أميركية، وعُلقّت منذ أكثر من خمسة أشهر..

من هنا، أكّدت الاوساط أنّ «المناورة الإسرائيلية» مستمرّة، و «التكتيك» من قبل العدو يعرفه لبنان تماماً، فالـ «الإسرائيلي» يسعى لمواجهة خط «متطرّف» من وجهة نظره، بخط متطرّف آخر، ما جعله يُبرز «الخط الأحمر» على خريطته ثمّ يعود ليحجبها في محاولة للقول بأنّه مستعد لاستئناف المفاوضات غير المباشرة مع لبنان توصّلاً الى الإتفاق على «تسوية حدود». علماً بأنّ المنطقة المتنازع عليها (القديمة) تبلغ 2% من مياهه الإقتصادية. وأكثر ما يخشاه هوقيام لبنان بخطوة تعديل إحداثياته لدى الأمم المتحدة وتوسيع مساحة النزاع لتصل الى 2290 كلم2، سيما وأنّ الخطوط الجديدة تستند الى معايير وقواعد قانونية أكثر من الخط 23 المودع لدى الأمم المتحدة منذ العام 2011.

وما يهمّ «الإسرائيلي» اليوم هو العودة الى طاولة المفاوضات وفق الخط القديم للتوافق على تسوية حدودية ما، الأمر الذي يسمح له القيام بالمزيد من أعمال التنقيب عن الغاز في حقل «كاريش» والبلوك 72 اللذين لا يدخلان ضمن الخط 23، سيما وأنّه بدأ يضخ كميات كبيرة من الغاز في البحر الأبيض المتوسط. فيما لبنان الذي لم يبدأ بأعمال الحفر والتنقيب من قبل شركة «توتال» الفرنسية في البلوك 9 بعد أن أخّرت بدء عملها يريد حفظ حقوقه في ثروته النفطية، ليس بأسلوب المواجهة إنّما بأسلوب الدفاع التي تؤكّد عليها الإتفاقيات والمعايير الدولية، ولهذا طلب الإستعانة بخبراء من الخارج. ويحتاج بالتالي الى «أكل العنب» لتحسين وضعه الإقتصادي وتأمين مستقبل الأجيال الصاعدة.