قرابة العشرة أشهر مرّت على وقوع انفجار مرفأ بيروت! في عشرةِ أشهرٍ قطاعاتٌ عدّة ذاقت طعم الكارثة الّتي حلّت بالعاصمة، وعلى رأسها القطاع الفني، الّذي يرزح في آخر سلّم أولويّات الدولة الّلبنانيّة. أزمةٌ تلو الأخرى عصفت بالقطاع المُهمل كان أوّلها الأزمة الإقتصادية، من ثمّ أتت كورونا لتزيد من مرارة الكأس، وأخيراً اتت كارثة المرفأ بالقطاع، لتقضيَ على الآمال، وبدلاً من أن تملأ الّلوحات بألوانٍ زاهيةٍ، ملأتها دماً وغباراً.

بعد عشرة أشهر على مرور الكارثة، هل المعارض التي ذاقت وجع بيروت وجدت من يساندها؟ أضرارٌ لا تحصى وبالأرقام، هل وقعت تكلفة إصلاحها على كاهل أهل الفنّ وحدهم؟ وكيف تسعى المعارض المتضرّرة، أن تنفض عنها غبار المأساة وتستعدّ للوقوف من جديد؟

معارضٌ فنيّة ومشاغل يدويّة، تعرّضت لأضرار كبيرة جرّاء انفجار 4 آب، لا سيّما أنّ المنطقة المحيطة بالمرفأ، معروفةٌ بطابعها الثقافي، وإرثها العريق. لم تنل هذه المؤسّسات بعد مرور هذا الوقت أي تعويض يُذكر، علماً أنّه تم الكشف عليها وعلى الأضرار الجسيمة التي لحقت بها.

 «غاليري تانيت»... لوحاتٌ مدمّرة 

معرض «تانيت» أو «Gallery Tanit»، يجسّدُ حتماً، الدمار الذي لحق بالقطاع الفنّي وأهل الفنّ. توضح مديرة ومؤسسة المعرض نايلة كتانة، في حديثٍ لـ«الديار» أنّ «الإنفجار تركَ خلفهُ جروحاً أُصيب بها من كانوا داخل المبنى وأعضاء الفريق. كما وتركَ خسارةً كبيرة لا تعوّض متمثّلةً بالمقتنيات الفنية، والّلوحات». وتضيف كتانة: «في غيابِ أي إحصاء دقيق، يمكن القول أنّ أكثر من 70 لوحة داخل المعرض تضرّرت جرّاء الانفجار، ولم تكن كلّها قابلة للترميم، فجزءٌ منها قد تلف بالكامل».

مقتنياتُ هذا المعرض كمقتنيات وتحف ورسومات باقي المعارض الّتي بدورها عانت ما عاناه «غاليري تانيت»، إضافةً إلى المقتنيات الفنيّة، تشير كتانة إلى أنّ «كافّة المعلومات المخزّنة في أجهزة الكومبيوتر في المعرض، تُلفت بالكامل، ما يستدعي إعادة العمل من الصفر».

 من الصّفر... على عاتق مَن؟ 

في ظلّ غياب التعويض الرسمي وعدم حصول المعرض على أيّ دعمٍ يُذكر، كما وغياب دور شركات التأمين، عملت كتانة على ترميم المعرض بمفردها. في هذا السياق، تقول كتانة أنّ «المعرض اختار عدم الخضوع للدمار الذي خلّفه الانفجار، وكانت خطط إعادة البناء جارية على الرغم من أننا لم نتلقَّ أي مساعدة في جهود إعادة البناء». وتضيف: «كلفة إعادة ترميم المعرض حتّى الّلحظة تخطّت الـ 180 ألف دولار، في ما تكلفة إصلاح الزجاج الّذي لم تعمل على إعادة إصلاحه حتّى الآن فهي 68 ألف دولار».

كلفة إعادة الترميم التي تكبّدتها كتّانة لإعادة إصلاح معرضها أيضاً تكبّدها فنّانون آخرون، ورغم غياب الجهات الرسميّة عملت كتانة بسبب شدّة تعلّقها بالمبنى العريق، على إعادة ترميمه مُحافظةً على طابعه التراثي.

 المعرض قرّر نفض غبار الإنفجار!

انتقلت كافّة النشاطات والقطع الفنيّة والّلوحات إلى مساحةٍ لأهل الفنّ في «ستاركو» حيث وجد العديد من المصممين في المنطقة ملجأً بعد تدمير معارضهم.في هذا السياق تقول المسؤولة الإعلاميّة في المعرض ايليج أبو يونس لـ«الديار»: «انتقلنابعد الإنفجار إلى معرض فردي مخصص لبيروت للفنان «MojéAssefjah» الذي أبرق رسالةَ أملٍ بعنوان «There Are Birds Here Again». المعرض بعد الإنفجار عمل على عدّة مشاريع في الخارج، لتسليط الضوء علىفنّاني المنطقة الّذين أيضاً تضرّروا بشدّة». وتضيف:»في «مينارت» «MENART» باريس، من المقرر افتتاح معرض تحت عنوان «Une Histoire de Bleu» في 27 أيّار، مع الفنانين نبيل نحاس وشفا غدار وسيمون فتال وغسان زرد إلى جانب تركيب فني لندى دبس. لدينا أيضًا مشروع في إيطاليا، بالتعاون مع «Studio La Citta»، وسنعرض معًا أعمال 13 لبنانيّاً و فنّانَين عراقيَّين في عرضٍ تقديمي يدور حول الدمار». وتختم بو يونس قائلةً: «نأمل استعادة النشاط في مساحة المعرض في مار مخايل ورؤية الحي يزدهر ويستعيد الحياة التي فقدها بعد الإنفجار».

 بعد عشرة أشهر... أُعيدت الحياة؟ 

سيعيد «غاليري تانيت» فتح أبوابه في مار مخايل في 19 حزيران 2021. سيكون الافتتاح بحسب كتانة عبارة عن عرض جماعي للأعمال الفنية التي تلقيناها بعد الـ«Open call» أو النداء المفتوح لكافّة الفنّانين لعرض أعمالهم كجزء من التّشجيع والدعم في ظلّ ما مرّ به القطاع الفني. تقول كتانة « تلقّينا أكثر من 60 طلباً من فنانين، ثمّ عملت لجنة تحكيم مؤلفة من خمسة أشخاص على اختيار المشاريع التي ستكون جزءًا من إعادة افتتاح مساحة المعرض في مار مخايل من جديد.

هكذا سيفتتح المعرض أبوابه من جديد، في احتمالٍ كبيرٍ أن يكون من دونِ واجهات زجاجيّة، وهكذا سيكون المعرض من جديد ملتقى عشّاق الفنّ والحياة ليعيد جمع ما فرّقهُ الإنفجار، كما وسيضفي أملاً لدى الفنانين الّذين خسروا جهداً وتعباً بذلوه على أعمالهم الفنيّة.

مرّةً جديدة، وفي ظلّ تأثير الأزمة الاقتصادية، وما مرّ من أحداثٍ أليمة، يعيد المعرض وسواه لملمة جراحه بمفرده، ويعطي من خلال إعادة الافتتاح فرصةً لدعم الفنانين الّذين سيعرضون أعمالهم. علّهُ في ظلّ تقاعس الدولة عن تأدية واجباتها تجاه القطاع، تسدّ المبادرةُ ولو فجوةً صغيرةً.