مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، تشكلت، في أميركا، حالات استقطاب حول ثلة من الجنرالات (دوغلاس ماك آرثر، دوايت ايزنهاور، جورج باتون...). شيء من الاستقطاب الهوليوودي جعل أعضاء بارزين في الكونغرس يبدون خشيتهم من الانتقال من الديمقراطية السياسية الى الديكتاتورية العسكرية.

بالرغم من ذلك تمكن دوايت ايزنهاور، بطل الانزال في النورماندي، من سحق منافسه على البيت الأبيض ادلاي ستيفنسون الذي وصفه المؤرخ آرثر مايو شليسنجر بـ «الشخصية الابداعية في السياسة الأميركية»!

لكن ايزنهاور كان قد تخلى عن ضجيج الأحذية الثقيلة، وترأس، لسنوات، جامعة كولومبيا، ليتوج الحقبة الرئاسية بخطاب حذر فيه من ادارة المجمع الصناعي ـ العسكري للقرار السياسي والاستراتيجي للبلاد لأن ذلك يعني غروب الأمبراطورية الأميركية على غرار ما حدث للأمبراطورية الرومانية.

لا مجال للمقارنة بين البنية المعقدة للسلطة في ايران، وحيث التداخل بين الايديولوجي، والسياسي، والعسكري، والبنية المعقدة للسلطة في أميركا، وحيث التداخل بين القوى الصناعية، والقوى المالية، والقوى السياسية، وبطبيعة الحال القوى العسكرية، لتبدو الديمقراطية، في أحيان كثيرة، وكأنها أشد هولاً من الديكتاتورية.

هذه الحال حملت الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو على التساؤل عن اللغز الذي يجعل امبراطورية تستطيع أن تصل مخملياً الى مجتمعات الدنيا، وأسواق الدنيا، عبر موسيقى الجاز، وعبر الجينز، وحتى عبر الكوكاكولا والمارلبورو والتشيكلس (هذا قبل الشبكة العنكبوتية، وأنظمة الاتصالات الثورية، فضلاً عن الهمبرغر والهوت دوغ، وأخيراً لقاح الكورونا)، تتعاطى مع الدول الأخرى عبر الأساطيل وعبر الأنظمة الرثة...

أميركا الطارئة على التاريخ، البعيدة عن الايديولوجيا، شيء، وايران، المثقلة بالتاريخ، والايديولوجيا، شيء آخر. وجه الشبه قد يتمثل، نسبياً، بالمجمع الصناعي ـ العسكري، وحيث الحرس الثوري الذراع الحديدية للدولة. من الطبيعي أن يكون هذا المجمع في صراع مع المفاهيم الكلاسيكية للدولة.

لا شك أن الادارات الأميركية المتعاقبة والتي طالما رأت في دول المنطقة الجثث السياسية التي تدار بالريموت كونترول، هي التي جعلت المؤسسة العسكرية في ايران في حالة من التعبئة السيكولوجية، والعملانية، المستدامة. الكراهية للولايات المتحدة تحولت الى نمط حياة دون الاكتراث بقول ونستون تشرشل «في السياسة، لا صداقة دائمة، ولا عداوة دائمة، بل مصلحة دائمة».

عشية الاتفاق النووي عام 2015، كان واضحاً أن مصالح الجانبين تقاطعت في نقطة ما. لا بد أن تكون المفاوضات شاقة ومتشابكة. حتى الحلفاء يشتكون من «المعاناة» في التعامل مع الولايات المتحدة. ألف وجه لأميركا. غالبا ما يكون الدخول الى الرأس الأميركي أشبه ما يكون بالدخول الى أقبية التعذيب.

ماذا بالنسبة الى الذين ثابروا على وصف الولايات المتحدة بـ «الشيطان الأكبر»، وعلى انتهاج سياسات المواجهة على مدى نحو أربعة عقود ؟ لعلنا نلاحظ كيف أن الأميركيين، وبالرغم من كل التصريحات العدائية، يولون اهتماماً أكبر لمن يرفع الـ»لآ» في وجوههم. ومن بيونغ يانغ الى طهران مروراً بهافانا؟

واضح أن الغاية من التسريب الزلزالي لكلام محمد جواد ظريف، وقد طرح اسمه كخليفة لحسن روحاني، احراق الرجل، وزجه في نزاع غير متكافئ مع الحرس الثوري الذي لا جدال في حضوره داخل كل مؤسسات الدولة، وان كانت صناعة السياسات تستدعي الموازاة بين الضرورة العسكرية والضروة الديبلوماسية.

ظريف، كأي سياسي يتابع مسار العلاقات (والمصالح) الدولية، تعنيه مصالح بلاده، ولم يظهر، يوماً، أنه يتزحزح قيد أنملة عن هذه المصالح، لكنه يعتقد أن التعاطي مع أميركا يقتضي نوعاً ما من الديناميكية الديبلوماسية لتأمين تلك المصالح.

القصد مما حدث ليس فقط ازالة وزير الخارجية من المسرح بل وقف ما يعتبره أصحاب التسريب، وبحسب أغنية أسمهان، ليالي الأنس في فيينا!!