ثروات لبنان غنية ووفيرة بشكل لا يصدق من مياهه وينابيعه مروراً بخصوبة اراضيه وتربته وصولاً إلى بحره المتلاطم بالثروة السمكية، فما الذي يؤدي بنا إلى مجاهل الجوع في ظل كل هذا الغنى؟ لا بد من أن المشكلة اليوم، وإن كان جزء منها طبيعي، فإن الجزء الأكبر يبقى بفعل فاعل بشري.

لا تزال صناعة الصيد اللبنانية صغيرة نسبيًا من حيث الإنتاج، حيث كانت في الاونة الأخيرة تدر حوالى ٦.٤ مليون دولار أميركي سنويًا، بينما يبلغ متوسط ​​أجور الصيادين حوالي ٣٠٠ – ٤٠٠ ألف ليرة لبنانية شهريًا، وهو أقل بكثير من الحد الأدنى للأجور في لبنان.

تتنوع مشاكل الصيادين وهمومهم بدءا من السفن، نقص المعدات في موانئ التخزين، مرورا باستخدام معدات الصيد غير القانونية والصيد غير الدوري الذي يضر بتجمعات الأسماك، وصولا النطاق المحدود الذي يعمل فيه الصيادون والمقيد بقواعد الأمن وسلامة الملاحة التي غالبا ما تفرض قيودا على الابحار في نطاق ستة أميال بحرية من الشاطئ.

تعتبر الجمعية التعاونية لصيادي اﻷسماك في ساحل الزهراني من اهم التعاونيات حيث تقام أشهر اسواق السمك، وهي تقع بالقرب من ميناء الصيادين في الصرفند، جنوب لبنان. يبيع أكثر من ١٠٠٠ صياد من قرى مختلفة في منطقة ساحل الزهراني صيدهم خلال المزادات التي تقام في الصباح الباكر في سوق السمك الذي تديره الجمعية التعاونية نفسها، والذي يعتبر من أكبر أسواق الأسماك في جنوب لبنان.

مع تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وما رافقها من إقفال عام متكرر بموجب قرار التعبئة العامة، واجه الصيادون صعوبات في بيع صيدهم بانتظام مما أثر سلبا على أحوالهم المعيشية المتردية أصلاً.

فكيف هي أحوالهم اليوم، وماهي أبرز المشاكل التي يواجهونها سواء من النواحي التقنية أو المعيشية؟

للحصول على الإجابات الشافية، كان لا بد من التواصل مع رئيس «الجمعية التعاونية لصيادي اﻷسماك» في الزهراني السيد محمد سليمالذي أكد أن الوضع الاقتصادي للصيادين في منطقة الزهراني مزر خصوصاً بعد زيادة الاسعار وغلاء المعيشة وبعد ارتفاع سعر صرف الدولار.

وتابع سليم معتبراً أن المشكلة الأكبر والأخطر التي تهدد مهنة هؤلاء، هي تلك المتعلقة بصيانة الزوارق أو شباك الصيد وشراء معدات الصيد كون جميعها أصبحت بالدولار الأميركي وهو ما لا يملكه هؤلاء الصيادون الذين عليهم العمل بشكل يومي للحصول على قوتهم وقوت عائلاتهم.

وعن متوسط أسعار الصيانة، يقول سليم أن صيانة الزورق التي يجب أن تتم مرتين سنوياً تكلف حوالى ١٥٠٠ دولار أميركي، بينما كلفة تجديد شباك الصيد تكلف حوالي ٢٠٠٠ دولار أميركي سنوياً.

من ناحية أخرى أكد سليم أن الجمعية التعاونية لصيادي الاسماك في الزهراني ليست قادرة على سد حاجات الصيادين، وهي نفسها بحاجة للمساعدة في الأوضاع الراهنة خصوصاً وأن المردود المالي يكفي فقط لدفع معاشات عمال التنظيفات وبعض تكاليف الصيانة، علماً أن أهمية صيانة التعاونية وسوق السمك تتعلق بشكل مباشر بالصيادين وبتصريف انتاجهم، فسوق السمك هو الوحيد الذي يحافظ على انتاج الصيادين ويبيعه بالمزاد.

سليم رفع الصوت عبر «الديار» مدافعاً عن حقوق الصيادين الذين ضاعفت الأزمات المتتالية اوضاعهم المالية الصعبة، فهم خلال فترات الحجر والإقفال المتتالية وإقفال سوق السمك، لم يتلقوا أي مساعدات مالية أو حتى عينية، كما ووجه صرخة إلى وزارة الزراعة للاهتمام بهذا القطاع شبه المنسي ولإيلاء الصيادين الاهتمام والمساعدة اللازمين في ظل هذه الأزمة لكي يبقى هذا القطاع مستمر وقادر على تخطي كل ما يعصف به من صعوبات.

من جهة أخرى قامت «الديار» بالتواصل مع أحد الصيادين للوقوف على واقع الأزمة من نقطة أقرب، حيث أكد «الريس» علي م. أن صيد السمك لم يعد كما كان منذ زمن، ويقول «حتى البحر لم يعد كريماً معنا كما كان قديماً» مؤكداً أن ما يصطاده ويبيعه بالكاد يكفيه لسداد مستحقات الحياة اليومية وحاجيات عائلته، ولا يمكنه من إدخار أي شيء لكي يقوم بصيانة زورقه عندما يحين الموعد. وقال: قمتُ بالاستدانة العام المنصرم لاتمكّن من صيانة زورقي وحينها كان الدولار بحدود ٦٠٠٠ ليرة لبنانية، أما اليوم ومع ملامسته ١٢٠٠٠ ليرة لبنانية وعدم ازدياد مدخولي باي شكل من الأشكال، اجزم انني سأتوقف عن الصيد حتى يتغير الوضع، وساتوجه للبحث عن أي عمل ممكن لاؤمّن الطعام لعائلتي.

وعند سؤاله عما تعني له هذه المهنة معنوياً، اغرورقت عيناه بالدمع وقال: «لقد ورثت الصيد عن ابي وجدي، وكنت أنوي أن أورثه لابني الوحيد وأن يقضي سني طفولته في البحر كما كانت طفولتي، ولكن اليوم لم أعد قادر حتى على استعادة ذكرياتي في البحر لأنها أصبحت مؤلمة وبت أخجل من نفسي أنني قد لا أكون يوماً ما صيادا كما كان والدي، وكما أرادني أن أكون دوماً.

إن «البحر غضبان ما بيضحكش، أصل الحكاية ما تضحكش» فعلاً، فحكاية الصيادين في لبنان وكافة المدن الساحلية ذات الإرث العريق، أصبحت اوضاعهم صعبة حد عدم الإستمرارية وبالتالي نحن أمام قطاع أخر ينهار وتنهار معه آلاف العائلات وتهبط إلى ما دون خط الفقر الذي على ما يبدو أن الجميع متجه إليه في المستقبل القريب، فهل من منقذ؟