لا زالت تداعيات زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان تتوالى، ولا سيما أنها حملت رسائل سياسية ستُترجم قريباً على أرض الواقع، حتى أن أحد المقرّبين من السفارة الفرنسية كشف في الساعات الماضية، بأن باريس ستطلق في وقت قريب جداً لاءات سياسية قد تكون الأعنف تجاه المسؤولين اللبنانيين، وخصوصاً أن لودريان، والذي جاء لتحذير المسؤولين اللبنانيين من مغبة عدم تشكيل الحكومة، قد فوجئ بحجم الإنقسام السياسي الحاد، وتحديداً بين رئيس الجمهورية ميشال عون، والرئيس المكلّف سعد الحريري، والخلاف المستشري بينهما، واستشفّ أنه من الصعوبة بمكان أن يكون هناك بينهما أي توافق أو تعاون في هذه المرحلة، وحتى في المرحلة المقبلة، وذلك في ظل معلومات عن سعي باريس لاكتشاف شخصية سنّية على غرار ما حصل مع السفير مصطفى أديب، ليُكلّف بتشكيل الحكومة العتيدة في غضون أيام، إنما بعد التشاور مع حلفائها الأوروبيين ومع واشنطن ودول عربية، على غرار ما حصل في «تسوية الدوحة» حيث تم التوافق على رئيس جمهورية، وانتخب يومها الرئيس ميشال سليمان. وأضافت المعلومات، أن السفيرة الفرنسية في لبنان تواصلت مع أكثر من جهة سياسية وأمنية لاستطلاع حيثيات وواقع وتحالفات شخصية سنّية من المحتمل أن يتم ترشيحها في حال اعتذر الحريري عن التشكيل.

لذلك، لا تستبعد المعلومات أن يخرج الرئيس سعد الحريري عن صمته وأن يعلن مواقف، ربما تصب في خانة الإعتذار أو الإستقالة من المجلس النيابي، بمعنى أن الحريري سيُقدم على اتخاذ خطوات كبيرة تتناسب مع حجم ما يعانيه من خلافات مع رئيس الجمهورية ورئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، إلى الفتور الحاصل في علاقته مع حلفاء وأصدقاء أيضاً، وهذا ما قد يعيد إليه بعضاً من رصيده الشعبي الذي فقده، أو يخرجه من العزلة السياسية المُكبّل بها، والتي أصابت علاقته مع العاصمة الفرنسية، حيث بدا من الواضح، بأن اللقاء معه لم يكن على أجندة الوزير لودريان، كذلك أن اجتماعه بوزير الخارجية الفرنسي في قصر الصنوبر لم يهضمه «المستقبليون»، لكن ثمة من يبرّر ذلك بأنه رئيس مكلّف، وعلى هذه الخلفية أتى اللقاء به في قصر الصنوبر، ولو كان رئيساً لحكومة قائمة لكان زاره في بيت الوسط أو في السراي الحكومي، والدلالة أن لودريان لم يزر رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، وبالتالي، إن ما حصل مع الحريري أول من أمس، إذ لأول مرة يُستدعى إلى خارج بيت الوسط، فهذا أيضاً بمثابة رسالة، إما لدفعه للتنازل لتشكيل حكومة في حال لم يعتذر، أو أنها مقدّمة نحو ما ستُقدم عليه باريس مع كل القوى السياسية اللبنانية والتأسيس لحالة تغييرية شاملة ظهرت معطياتها ومؤشّراتها من خلال اللقاء الجامع للقوى التغييرية في قصر الصنوبر، وهذا يدلّ على أن هناك توجّهاً، ليس فرنسياً فحسب، وإنما دولياً، على إحداث نقلة نوعية على الساحة اللبنانية على خلفية عدم التزام المسؤولين اللبنانيين بتعهداتهم، وصولاً إلى أن الغالبية منهم ملوّثة بالفساد والإرتكابات.

وتنقل المعلومات عن أوساط السفارة الفرنسية، بأن لودريان سيوضح حصيلة زيارته إلى بيروت، وعندئذٍ سيُستشف ما ستقدم عليه باريس لاحقاً من خطوات وإجراءات، أكان من رفع لمنسوب العقوبات على المسؤولين اللبنانيين، لا سيما وأن أكثر من جهة لبنانية كانت على اطلاع واسع قبل وصول لودريان إلى بيروت بأنه لم يأتِ إلى هذا البلد لتشكيل الحكومة، بل لتوجيه الرسائل والإجتماع مع القوى التغييرية، وهنا كان بيت القصيد، وصولاً إلى أن ذلك جاء بالتنسيق بين باريس وواشنطن حيث الموقف الفرنسي يحظى بتأييد دولي واسع.

وأخيراً، وحيال هذه الزيارة الفاشلة، أو التي لم تؤدِّ إلى أي نتائج إيجابية، كما وصفها مرجع سياسي بارز، فإن لبنان قد يصبح بالنسبة للمجتمع الدولي كبعض الدول التي وُضعت اليد عليها من خلال عقوبات ومراقبة لصيقة، بمعنى أنه بات ضمن وصاية المجتمع الدولي، ولم يعد لسياسييه أي دور كما كان يحصل في السابق.