كما في كل زيارة يقوم بها أي مسؤول عربي او غربي الى لبنان، لإجراء وساطة بين افرقاء الداخل لتشكيل حكومة، تعود وساطته من حيت اتى خالية اليدين، لا حل ولا مبادرة ولا تقارب، بل «خربطة» علاقات من جديد، فيرجع الملف الى النقطة الاولى، لكن هذه المرة ومع زيارة وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان، توالت الخيبات السياسية، على وقع رفع الدعم عن المواد الاساسية، مما يعني الجوع والمجاعة والانفجار الاجتماعي. وفي المقابل، لم تهز كل تلك البشائر المخيفة أي مسؤول، اذ لا تزال اللامبالاة سائدة بقوة، ما جعل الوزير الفرنسي يعود الى بلاده من دون أي تفكير بالرجعة، بعد ان يئس مع رئيسه ايمانويل ماكرون، منذ ان قدّمت باريس مبادرتها في الاول من ايلول الماضي، في ظل خلافات وتناحرات المعنيّين بتأليف الحكومة، لكن زمن تلك المبادرة طال، من دون ان تصل الى اي خاتمة سعيدة، امل بتحقيقها الرئيس الفرنسي، فبقيت تدور في دوامة التكاذب الداخلي، وتتراجع خطوة خطوة الى ان فرغت من محتواها بأيدي المعنيين بالتشكيلة، ما جعل المسؤولين الفرنسيين يرفعون العشرة، ولا يلتفتون الى الوراء ويغادرون غير آبهين، فكيف يهتمون ببلد وشعب تناساه مسؤولوه، من دون أي يشعروا بأي آسف او خجل، من مسؤولين غرباء اثبتوا اهتمامهم ببلدهم اكثر منهم بكثير؟!

هذه المشاهد انتجت فشلاً ديبلوماسياً للسياسة الفرنسية الخارجية، على الرغم من مواكبتها بمجموعة عقوبات لمسؤولين لبنانيين لم يأبهوا لها، وإلا لكانوا نفذوا بنود المبادرة الفرنسية، وفق ما ترى مصادر سياسية مطلعة على لقاءات لودريان الاخيرة، فيما على ارض الواقع لم يرّف لهم جفن، فالسياسة الفرنسية المعتادة على الحوار والهدوء، والكلام الرصين والمهذب والمختار بدقة لا ينفع، مع المتناحرين على الحصص والمغانم المتبقية، من قالب الجبنة المأكول والموّزع بإتقان، على قاعدة «هذا لي وهذا لك»، فيما كان من الاجدى ألا يكتفي الوزير الفرنسي بالتهديد الكلامي، الذي لا يخيف ثعالب السياسة، على حدّ قول المصادر التي ترى بأن الاخير إكتفى كعادته بالتوبيخ والتلويح بالعقوبات، من دون ان يطلق الاسماء الواردة على لائحتها، ما جعلنا نشعر وكأنها أسماء وهمية، او فقط للتهديد الكلامي، سائلة لماذا لم تعلن الاسماء الـ 46 التي اعلنوا عنها، وتضمّ نواباً ورجال اعمال ومستشارين سياسيين واعلاميين؟، وما الذي ينتظرونه؟، مشيرة الى انّ اعلان إسم واحد كان غيّر الاتجاهات السياسية بالتأكيد، لانهم لم يشعروا بالوجع بعد، وهذا الامر خذل الشعب اللبناني الذي إنتظر زيارة لودريان بشغف، معتقداً انها ستقلب المقاييس و «تفش خلقهم»، لكن ما حصل قضى على آخر امل للبنانيين، الذين يتحضّرون للأسوأ وهو رفع الدعم نهاية الشهر الجاري، وهذا يعني إنفجارات بالجملة من نوع آخر.

وإعتبرت المصادر المذكورة بأنّ مبادرة ماكرون سقطت بالضربة القاضية، خصوصاً بعد زيارة وزير الخارجية الذي أرسلته باريس للإتيان بالحل، لكن وفي ظل ما كرّره وتلقى في المقابل اجوبة مكرّرة سبق ان سمعها، عمل ديبلوماسياً تحت شعار «اذا القاضي راضي فلماذا اُتعب نفسي»، وعلى الرغم من محاولاته ووساطاته فلم يفلح، فهو إكتفى هذه المرة بتشبيه لبنان بسفينة «التايتانيك» الغارقة، والقول بأنّ مشكلة المسؤولين اللبنانيين داخلية وليست خارجية، وهي مبنية على الانتقام المتبادل والحقد الدفين، امام انهيار وطن وشعب لا يبالي بهما أي مسؤول، فإذا بهذا التشبيه لم يحرّك شعور المتخاصمين، بل زادهم ربحاً وانتصاراً على بعضهم كل من زاويته، لانهم فازوا بعد إسقاطهم المبادرة الوحيدة التي إلتفتت الى حالة بلادهم المزرية.

وختمت المصادر عينها، بأنّ زيارة لودريان والتوقعات التي وُضعت لها، جعلت الرئيس المكلف سعد الحريري يفكر بالاعتذار لساعات، لانه توّقع منها الكثير في الاطار السلبي، منتظراً تهديداً مخيفاً للجميع عبر العقوبات، لكن وبعد ساعات تحوّلت تلك الفكرة الى مناورة، الى ان اسقطتها عين التينة والمختارة، فلبّى بيت الوسط طلبهما سريعاً، بالتزامن مع وساطة اماراتية، عبر محادثات اجرتها مع الرياض، ينتظر نتائجها الرئيس المكلف، وعليه سيُبنى على الشيء مقتضاه، وإلا سيعود ليفكر بالاعتذار اذا اتت النتائج سلبية، على ان يتجه نحو شدّ العصب السنيّ، تحضيراً للانتخابات النيابية المقبلة، ليكسب شعبية كبيرة تجعله بطلاً في بيئته.