الإستياء من تصريحات وهبه يُصحَّح ديبلوماسياً

لم تعد فرنسا مهتمّة لمساعدة اللبنانيين على تشكيل الحكومة بعد أن لمس وزير خارجيتها جان إيف لودريان خلال زيارته الأخيرة للبنان من المسؤولين والمدنيين الذين التقاهم أنّهم لا يودّون أن تُبصر هذه الحكومة النور. فصحيح أنّ الخلافات لا تزال قائمة حول نوعية الحكومة والتسميات والحقائب والحصص، إلاّ أنّ الجميع يبدو متوافقاً على أنّ الحلّ للأزمة الإقتصادية والمالية الراهنة ليس بتشكيل الحكومة. فيما تودّ دول الخارج أن يكون هناك جهة رسمية يُمكن التنسيق معها لدعم لبنان ومساعدته على النهوض من الإنهيار الذي يُعاني منه، وهو لا يجدها في الحكومة الحالية المستقيلة التي تكتفي بتصريف الأعمال «الخفيفة».

أوساط ديبلوماسية مطّلعة أكّدت أنّ تشكيل الحكومة حالياً من دون حصول التوافق بين المكوّنات السياسية، يُعادل حكومة الرئيس حسّان دياب المستقيلة. لهذا لا بدّ من سعي المتنازعين على الصلاحيات للتوافق قبل تأليف أي حكومة، كون أي حكومة غير متجانسة وغير قادرة لن تتمكّن من إنقاذ لبنان من أزماته، ولا من الإنتاج لتحسين الوضع الإقتصادي المتردّي. ولهذا نجد أنّ من كان ينتظر إجراء الإنتخابات الرئاسية الأميركية ونتائجها ويُراهن عليها وسواها من الإستحقاقات الخارجية، لا يزال ينتظر اليوم ما سينتج عن محادثات فيينا. وبالتالي المحادثات الأميركية - الإيرانية فضلاً عن المحادثات الإيرانية- السعودية، والإيرانية- السورية لمعرفة مدى انعكاسها على الوضع الداخلي اللبناني.

أمّا فرنسا التي وضعت المبادرة الفرنسية وصبّ رئيسها إيمانويل ماكرون جهوداً شخصية لإنجاحها، وبالتالي تشكيل حكومة مهمّة إنقاذية، قد نفضت يدها من هذا الأمر، على ما أشارت الاوساط، بعد أن فشلت جميع مساعيها في التوفيق بين الطرفين المتنازعين. علماً بأنّهما أعادا التذكير بفريقي 8 و14 آذار رغم الإعتقاد بأنّهما تفكّكا مع الوقت لا سيما مع التسوية الرئاسية التي أنقذت لبنان في حينه من الفراغ.

وإذ يعوّل البعض على حصول تقارب أميركي - إيراني، وإيراني - سعودي في المرحلة المقبلة، ما من شأنه أن ينعكس حلحلة على الوضع الداخلي اللبناني، لا سيما على صعيد تنازل الطرفين لتشكيل حكومة متجانسة تضمّ جميع المكوّنات السياسية التي تريد العمل الجدّي لإنقاذ البلد من الإنهيار، تجد الأوساط نفسها بأنّ هذا التقارب لا بدّ من أن يؤثّر على الحلفاء في الداخل ويجعلهم يبدّلون المواقف التي يتشبّثون بها حالياً. غير أنّ البعض يرى بأنّ تصريحات وزير الخارجية والمغتربين شربل وهبه الأخيرة في حديثه الى محطّة «الحرّة»، قد أعادت العلاقات اللبنانية - السعودية ومع دول الخليج خطوة الى الوراء، والموقف السعودي غير مشجّع. في هذا السياق، فقد أثارت تصريحات وهبه ضجّة ، وفجّرت ردود فعل كبيرة عبر وسائل التواصل الإجتماعي وصلت الى حدّ الحديث عن قطع السعودية ودول الخليج علاقاتها مع لبنان، ولكن تبيّن أنّ ثمّة حملة مبرمجة ضدّ وهبه رغم أنّه عندما تحدّث عن تنظيم «داعش» وحماته لم يُسمّ أي دولة، ولم يأتِ على ذكر السعودية أو دول الخليج.. كذلك فإنّ هذه الحملة لم تأخذ بالإعتبار البيانات التوضيحية التي صدرت عن رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية بهدف سحب فتيل هذه التصريحات.

فقد أكّدت رئاسة الجمهورية في بيان صدر عن المكتب الإعلامي فيها على «عمق العلاقات الأخويّة بين لبنان ودول الخليج الشقيقة وفي مقدّمها المملكة العربية السعودية الشقيقة، وعلى حرصها على استمرار هذه العلاقات وتعزيزها في المجالات كافة». وذكرت أنّ «ما صدر عن وزير الخارجية والمغتربين يعبّر عن رأيه الشخصي ولا يعكس موقف الدولة اللبنانية ورئيسها العماد ميشال عون الحريص على رفض ما يُسيء الى المملكة السعودية ودول الخليج». كما جدّد وهبه في بيان أول صادر عنه تأكيده على «الحرص على أفضل العلاقات مع جميع الدول الشقيقة والصديقة للبنان»، داعياً «المصطادين في المياه الراكدة الى التوقّف عن الإستثمار في الفتنة بين لبنان وأشقائه».

وشدّدت الأوساط على أنّ العلاقات اللبنانية - السعودية قد شهدت أخيراً بعض التشنّجات على خلفية تهريب المخدرات في شحنة الرمّان واتخاذ السعودية قرار حظر دخول الخضراوات والفواكه من لبنان، رغم أنّ وجهتها الأساسية كانت سوريا وليس لبنان. ولفتت الى أنّ التسويات لم تنضج بعد لكي تستوي طبخة تشكيل الحكومة، وعندما يحصل هذا الأمر، فإنّ كلّ المعطيات تتبدّل في ثوانٍ. ولهذا سيبقى لبنان في حال الإنتظار الى حين تبدّل مواقف الدول المتصارعة، أو الى حين حصول حادث أمني كبير يفرض تشكيل الحكومة سريعاً.

وفيما يتعلّق بالإستياء المستجدّ من قبل السعودية ودول الخليج على خلفية تصريحات وهبه، فمن الممكن معالجته ضمن الأطر الديبلوماسية القائمة بين لبنان والدول المعنية، على ما أوضحت الاوساط ، وليس عبر وسائل التواصل الإجتماعي التي غالباً ما تثير ضجّة في غير مكانها. وهذا ما فعلته مع تصريحات وهبه من خلال تأويلات عمّا قصده، بحسب رأي المصطادين في الماء العكر وليس رأي وزير الخارجية نفسه الذي أكّد أنّ في بيان ثانٍ اعتذر فيه عن «العبارات غير المناسبة التي صدرت عني في معرض الإنفعال رفضاً للإساءات غير المقبولة الموجّهة الى فخامة الرئيس»، مشدّداً على أنّ «القصد لم يكن لا أمس ولا قبله ولا بعده الإساءة الى أي من الدول العربية الشقيقة التي لم تتوقّف جهودي لتحسين وتطوير العلاقات معها لما فيه الخير والمصلحة المشتركين، ودوماً على قاعدة الإحترام المتبادل».

أمّا الدعم الدولي للبنان فسيكون «معلّقاً» أيضاً، بحسب المعلومات، الى حين تبدّل المشهد الإقليمي، خصوصاً وأنّ دول الخارج تفتّش عن جهة رسمية، على ما تقول الاوساط ، تتحدّث وتنسّق معها في الداخل اللبناني على خطوات الدعم المستقبلية، لكنّها لا تجدها. فلا يكفي أن تتفق مع رئيس الجمهورية أو مع رئيس المجلس النيابي على مشاريع معيّنة، بل تحتاج الى سلطة تنفيذية قادرة على وضع هذه المشاريع على سكّة التنفيذ الى جانب تحقيق الإصلاحات المطلوبة من قبل مؤتمر «سيدر» والدول المانحة فيه.