لا نعتقد أن الحصار على غزة أشد هولاً من الحصار على لبنان...

المشكلة ليست في أين يكون ميشال عون، ولا في أين يكون سعد الحريري. المشكلة في أين يكون وكيف يكون لبنان. العرب اما غاضبون، ولا يشترون منا حتى الخضار بعدما كانوا يشترون منا حتى الهواء، أو ممنوعون من الالتفات الينا الا في شهر رمضان، وعلى شكل سلال غذائية تظهر الى أي مدى تليق بنا أرصفة كلكوتا...

المشهد اكتمل بالكلام الأخير لوزير الخارجية المستقيل شربل وهبي. الكلام الذي لا يؤثر، لا من بعيد ولا من قريب، في مسألة الحصار. ما يعنينا هنا أن وهبي الذي أبتلي به العهد، كما ابتلي بوزراء آخرين، لا يدرك أن لبنان انما يتزلج على النار.

ما يعنينا هنا وصفه لأبناء الجزيرة العربية. بعيداً عن الاشكاليات السياسية، وحتى الاشكاليات السوسيولوجية.هؤلاء منا ونحن منهم. هكذا ترك لـ»راقصات الباريزيانا» أن ينقضوا عليه، وعلى ولي أمره، حتى أن أحمد أبو الغيط الذي لم تهزه جثث الأطفال في غزة هبّ من فراشه، وظهر بالملابس الداخلية، وهو يندد بالكلام اياه.

الأميركيون ساخطون لأننا لم نفتح أبوابنا أمام «صفقة القرن»، ونحمل ثانية، على ظهورنا، خشب الأرز لاعادة بناء الهيكل، ولنكون حواري الهيكل.

الايرانيون الذين يستطيعون أن يبعثوا بناقلة نفط الى فنزويلا، وعلى تخوم الأمبراطورية الأميركية، لا يستطيعون أن يبعثوا الينا ببضعة صهاريج، عبر العراق وسوريا، للحد من «شرشحتنا» أمام محطات الوقود.

ليست أزمة حكومة. أزمة دولة، وأزمة منطقة لا تحل أزماتها الا على أرضنا. لماذا أرضنا بالذات ؟ لأن العهود المتعاقبة، ومنذ الثنائي بشارة الخوري ـ رياض الصلح، لم تبذل أي جهد لتحويلنا من جاليات طائفية ( مركبة على نحو عجيب، لا على نحو عجائبي، وتحت ادارة القناصل كما كانت الحال ابان القرن التاسع عشر)، الى مواطنين يشعرون بكونهم مخلوقات بشرية.

ولأننا كائنات كاريكاتورية (كائنات كرتونية)، ولأن أركان السلطة ليسوا أكثر من نواطير للأزمة، علينا البقاء  في غرفة العناية الفائقة، لنعرف ماذا ينتظرنا. أي دولة ستقوم، وأي حكومة ستتشكل، ومن هم الأوصياء الجدد علينا، وسواء أدت المفاوضات الى مسلسل الصفقات أم أدت الصدامات الى مسلسل الانفجارات، وبعدما بات المسرح اللبناني جاهزاً لكل الاحتمالات.

هكذا الجدل الببغائي حول شكل الدولة، كما لو أن لنا دوراً في صناعة الخرائط، أو في صياغة التسويات. بارونات القانون الدستوري يقولون بالدولة المدنية. يا جماعة، اذا كان الموارنة يخوضون كل تلك الصراعات في ما بينهم، وكثيراً ما بقي القصر خالياً، من أجل الكرسي الرئاسي. ماذا يحصل اذا بات الموقع، بالصلاحيات الملتبسة، أو بالصلاحيات الواهية، متاحاً لكل الطوائف؟ قد نرى الأرمن وقد تحولوا الى... موارنة !

لا داعي للوم رئيس الجمهورية، وقد فقد كل رصيده مذ أن وطأت قدماه القصر بتسوية منتصف الليل. ولا داعي للوم الرئيس المكلف، وقد لاحظنا أنه لم يعد له من ظهير سوى رجال الدين يستغيث بهم لانقاذه حتى من شقيقه.

ديفيد شنكر أسرّ في أذن وزير سابق بأن عودة الدولة في لبنان تقتضي اما اندلاع حرب أهلية تعيد صياغة المعادلات، والتوازنات، الداخلية والخارجية على السواء، أو انفجار حرب اقليمية تفرض وقائع جديدة، ومفاهيم جديدة ان للعلاقات أو للتوزيع الجيوسياسي لمناطق النفوذ.

ما يتبين من بعض اشارات أفيخاي أدرعي أن بنيامين نتنياهو الذي يبدو في وضع انتحاري يراهن، بشكل أو بآخر، على تفجير الجبهة مع لبنان بحجة تفكيك ترسانة حزب الله لأن تطويرها، بالوتيرة الراهنة، يضع «اسرائيل» أمام احتمالات كارثية. تالياً، تقويض مفاوضات فيينا والاستمرار في حصار ايران، أو حتى ضربها، لأن رفع العقوبات قد يتيح لها، على الأقل، بناء صواريخ عابرة للقارات.

لهذا يقول غراهام فولر، النائب السابق لرئيس المجلس الوطني للاستخبارات، «اربطوا هذا المجنون الى الحائط ، ونقول للمتظاهرين عند الخط الأزرق قد يكون بينكم من يريد أكثر بكثير من الصرخة في وجه البرابرة، ولحساب هؤلاء البرابرة...