حتى سلفادور دالي، بمخيلته الغرائبية، لا يستطيع أن يصف هذا الموزاييك العجيب...

الوزير الأنكليزي البروتستانتيW. Tomson كتب مقالة في عام 1860 بعنوان  The Land and the Book انتهى فيها الى القول «... وأنا لا أعتقد أن ثمة شعباً في العالم يحمل هذا القدر من التناقضات . هؤلاء لن يتمكنوا، قطعاً، من أن يكونوا شعباً واحداً، أو أن يتوحدوا حول أي مسألة سياسية . لذلك سيبقون ضعفاء، عاجزين عن حكم أنفسهم، ومعرضين لكل أشكال الاحتلال، ناهيك بكل أشكال الضغوط».

الكلام كتب منذ أكثر من قرن ونصف من الزمان، وبعين انكليزية محترفة. لن نتحدث أكثر عن الوزير شربل وهبة الذي اختاروه، بطريقة ما، ليكون الضحية على رأس وزارة الخارجية التي تحتاج الى بهلوان أكثر من حاجتها الى سفير سابق، لا نعتقد أنه يمتلك الحنكة، أو الرؤية، أو حتى اللغة، الديبلوماسية.

على كل حال، هكذا اختيارات الأوليغارشيا السياسية التي غالباً ما تأتي، وللحقائب الحساسة، بأشخاص لا يصلحون حتى لمتحف الشمع...

وهبة قال كلاماً لطالما تردد وراء الضوء، وفي الضؤ، على ايقاع الصراعات المبرمجة التي أودت بالمنطقة الى الخراب. الآن، يبدو كما لو أن تبدلاً دراماتيكياً يمكن أن يحدث في مسار العلاقات بين القوى الاقليمية، وبعدما تبين أن اللعبة الجيوسياسية انما تصب في حساب القوى الدولية التي وحدها تملك صلاحية اعادة صناعة الخرائط وحتى صناعة الأنظمة.

تغيير في اللهجة السعودية، كما في اللهجة الايرانية . في هذا الوقت الدقيق نطق وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال، وبعصبية لا تليق لا بالموقع ولا بالذين حملوه الى هذا الموقع.

بكل هدوء ذهب الى الظل لتأخذ ثقافة التملّق التي يتقنها العديد من أهل السياسة أكثر أشكالها بشاعة. صيحات التنديد والتأييد من كل حدب وصوب. السفير وليد البخاري، كديبلوماسي محترف، يدرك تماماً أن كلام  هيفاء وهبي أكثر تأثيراً في الجمهور (وفي الجمهورية) من كلام شربل وهبة.

أفواجاً أفواجاً قصدوا الخيمة السعودية، الكثيرون منهم كانوا زبائن الخيمة السورية في عنجر. المسألة لا تستحق كل ذلك الضجيج لكي يظهر هؤلاء عشقهم للمملكة.

العشق الأكثر التياعاً من قيس بن الملوح وهو يخاطب ليلى العامرية.

هذا هو لبنان، وهؤلاء هم الساسة (أو جلّهم) في لبنان حين تلتقيهم تحار بين شخصية يوليوس قيصر وشخصية لويس الرابع عشر. تحت الخيمة بدت الرؤوس التي تكاد تلامس قدمي الله لا تلامس حتى سقف الخيمة...

ثم يأتي كلام سمير جعجع، كلام الكراهية، الذي أعقبته عمليات ضرب وتنكيل بالنازحين السوريين، وهم في طريقهم الى صناديق الاقتراع. الذين وصفوا الانتخابات الرئاسية في سوريا بـ» المهزلة» متى يدركون أن الانتخابات النيابية، وبالقوانين الشهيرة، أكثر بكثير من أن تكون مهزلة ؟ هؤلاء هل يعلمون (وهم يعلمون) كيف أن العديد من رؤساء الجمهورية في لبنان يطبخون في المطابخ الكبرى كما تطبخ أطباق «الهوت دوغ» ؟

نقول لقائد «القوات اللبنانية» ولسائر من أمروا باعتراض مواكب السوريين وضربهم (كدلالة صارخة على ديموقراطيتنا)، من نحن، وأين نحن لندلي برأينا في انتخابات أجرت في سوريا أم جرت في بوركينا فاسو ؟

يا رجل نحن سياسياً، واقتصادياً، ومالياً، ومعيشياً، (وطائفياً) في جهنم. المنظومة السياسية، بكل أقطابها، عاجزة حتى عن ادارة الأزمة (أو الأزمات). كلام عن النظام اللاديموقراطي في سوريا كما لو أن أفلاطون، لا دراكولا، هو الذي يحكم لبنان. ألم نبدأ بالتسول على أبواب الأمم ؟

مثلما توقفنا عند الأداء الرديء لشربل وهبة، نتوقف عند الأداء الدونكيشوتي لسمير جعجع الذي قال، في بداية الأزمة في سوريا «فليحكم الاخوان المسلمون». رأينا تجربتهم الفذة في السلطة في مصر. على جدران أكثر من كنيسة في الاسكندرية دعوات الى طرد الأقباط من الجيش والى فرض الجزية عليهم باعتبارهم، وهم في أساس مصر، من ... أهل الذمة !

سائق تاكسي أخبرني كيف انقضّوا عليه لأنه يضع في سيارته صوراً للسيدة العذراء. هؤلاء هم «الاخوان»، وهذه هي ثقافتهم وهذا هو منطقهم.

بطبيعة الحال، النظام في سوريا ليس بالنظام المقدس (أيها القديسون)، ولكن أي مصلحة للبنانيين بوجه عام، وللمسيحيين بوجه خاص، أن نرى في قصر المهاجرين أبا بكر البغدادي، أو أبا محمد الجولاني، أو أبا جعفر الداغستاني ؟

ما شأننا وشأن السوريين، أياً كانت خياراتهم، ونحن مواطنو جهنم، ودون أن نرى أياً من نجوم الطبقة السياسية يتخلى عن سياسة الاجترار، ويقول «هذا برنامجي للخلاص».

هذه دولة اللامعنى، وهؤلاء هم رجالها. سلفادور دالي، بمخيلته الغرائبية، يعتذر عن عجزه على وصف أحوالنا !!