اذا كان الأميركيون قد استشعروا، على مدى الأيام الأخيرة، التداعيات الأبوكاليبتية للانفجار الكبير في الشرق الأوسط، ما بعني استدراجهم من المستنقع الأفغاني الى مستنقع آخر أشد تعقيداً، بل وأشد هولاً، هل تراهم يثابرون على ديبلوماسية «الخطى الضائعة» أم يخترقون ما دعاه هنري كيسنجر «الجدار اللاهوتي»، ويفرضون الدولة الفلسطينية على ديناصورات اليمين في «اسرائيل» ؟

منذ عام 2006 تزعزعت أسوار اسبارطة. الآن، يبدو أن خيار القوة، وهو الطريق الفلسفي، وحتى الطريق الايديولوجي، للدولة العبرية، منذ أيام دافيد بن غوريون وحتى الآن، قد سقط فعلاً...

لندع توماس فريدمان يقول لمراسل صحيفة خليجية في واشنطن ان المخططين الاستراتيجيين في «اسرائيل» بدأوا يصفون التاريخ في المنطقة بـ»التاريخ الغبي» لأنه، بحسب رأيهم، أتخذ مساراً آخر، وخلافاً لما كان يتوقعه الجنرالات، والحاخامات، وحتى ملوك التوراة.

من كان يتصور أن مصر بالذات يمكن أن تكون الدولة الأولى التي تنفصل عن المنظومة العربية، وتبرم معاهدة سلام مع «اسرائيل»، حتى أن ياسر عرفات ألقى بالبندقية جانباً، وتقدم بغصن الزيتون الى اسحق رابين في حديقة البيت الأبيض ؟ البلدان الأخرى التي اختطت الطريق نفسه حجارة زجاجية على رقعة الشطرنج.

هنا الوجه الآخر للبانوراما. من كان يتصور أن ايران، الظهير الاستراتيجي لتل أبيب، حتى أن الشاه محمد رضا بهلوي سبق ريتشارد نيكسون في اقامة جسر جوي معها ابان حرب 1973، اثر نفاد النفط والقنابل يمكن أن تتحول الى أكبر عدو لها، وبنظام ثيوقراطي يقوم على التقاطع الحديدي بين الايديولوجيا والتاريخ ؟

لعل الصورة الأكثر دوياً هي أن لبنان الذي طالما وصف بالحلقة الأضعف بين «دول الطوق» تنشأ في داخله قوة ضاربة يمكن لها، وفي غضون ساعات، تدمير مفاصل القوة (ومفاصل الحياة) في اسرائيل!

هل هو التاريخ الغبي حقاً أم أنه منطق التاريخ حين تنشأ حالة هجينة وتضم جاليات مستوردة من أصقاع الدنيا داخل منطقة قيل أن آدم هبط اليها قبل أن يختارها الله مكاناً لاستضافة مبعوثيه الى البشرية ؟

فريدمان يشير الى أن «الاسرائيليين» حين صنعوا القنبلة النووية كانوا يعتبرون أن العرب، ومن جبال صعدة في اليمن الى جبال الأطلس في المغرب، سيشكلون حزاماً فولاذياً حولهم. لم يتخيلوا أن العرب يمكن أن يكونوا على هذا المستوى من الهشاشة ومن التفكك. في حضرة الصواريخ بدت القنبلة كما لو أنها جثة داخل ثلاجة...

لم يعد هناك جان ـ جاك سرفان شرايبر ليصف «اسرائيل»، على صفحات «الاكسبرس» بالدولة الأسطورية، وموشى دايان بالرجل الأسطوري، والى حد القول أن واقعة داود وجلعاد تكررت في حرب حزيران 1967.

بنيامين نتنياهو بقي مجرد رئيس حكومة يتقن اللعب في الزوايا. شبه رئيس حكومة، دون أن يتمكن حتى من تجاوز شخصية باهتة مثل ليفي اشكول الذي كان يشغل منصب رئيس الحكومة لدى اندلاع تلك الحرب التي سقطت فيها شبه جزيرة سيناء، ومرتفعات الجولان، اضافة الى القدس والضفة الغربية.

كان زعيم الليكود الذي طالما حلم ، ابان عهد دونالد ترامب، بأن يتوج ملكاً على الشرق الأوسط، يراهن على الخروج من الأيام الأخيرة (التي هزت أميركا) كما خرج اسحق رابين من حرب الأيام الستة. لم يحصل هذا بل اضطر الى القبول بوقف النار.