إن المادة الأولى من الأعلان العالمي لحقوق الانسان تقول: «يولد جميع الناس احراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وُهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الأخاء».

أين نحن من هذا الاعلان؟

كيف نتعامل مع بعضنا البعض؟

هل ندرك قيمة هذه الهبة؟

ماذا نفعل لتوطيد روح الاخاء بين البشر؟

عندما يعيش الانسان ويشعر بالروابط الانسانية السامية وتكون لديه مواقف مشتركة مع أخيه الانسان ويكوّن ذكريات في وجدانه، فانه يعيش الرابطة الاخوية بأسمى معانيها. إذ أن هذه الاخيرة ليست مجرّد رابطة دمّ وقربة، بل هي صلة الانسان بأخيه الانسان على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية والروحيّة.

هنا يصحّ القول: «ربّ أخ لم تلده أمك»

نعم أخ بمعنى الشقيق الروحي للانسان،

الأخ الذي يكون عوناً لك في مسالك الحياة،

الأخ الذي يناصرك ويدعمك ويسأل عنك،

الأخ الذي يصلّي لك في الليالي الحالكة،

الأخ الذي يبذل كلّيته عنك ويضحّي لأجلك.

إن عيش الاخوة ليس بسهل كما يظنّ البعض، إنها مسيرة حياة مليئة بالتضحية وبذل الذات، فالاخوة الذين يمتلكون الكثير من الاسهامات في حياة أخوتهم ومجتمعهم يُعتبرون في مقام الأهل ويكون لهم تأثير كبير في مجريات الحياة وصنعها في بعض الأحيان.

أن تعيش الاخوّة، يعني ان تكون متصالحاً مع ذاتك في بادىء الأمر، ومن هنا يبدأ المشوار، مشوار تعتريه الكثير من التحدّيات والتضحيات وحتى نسيان الذات. فالآباء والامهات يعيشون ابهى حالات الاخوة في العائلة فدورهم لا ينتهي مع رحيلهم، بل يتبلور اكثر وأكثر مع الزمن.

كذلك الراهب والراهبة، فهم يعيشون في مجتمعاتهم أخوة وأخوات يتقاسمون حياة مشتركة وهموما مشتركة ويكرّسون ذواتهم الى الله والمجتمع على حدّ سواء وهنا تتجلّى الاخوّة بأجمل معانيها، فسوف تتجلّى رسالة المحبّة المرسلة منهم في بناء رعية صالحة متعاضدة وفي تكوين شخصية النشء وصقلها وحتى في رسم ابتسامة جميلة على وجه محزون.

اما المربّون فيعيشون الاخوة من بابها العريض، فهم كالاهل واحيانا دورهم يتخطى دور الاهل هم يقومون بواجباتهم على اكمل وجه، يعطون من ذواتهم فيبنون نشئا صالحا يمتثل بهم ويقتدي بأقوالهم وافعالهم، فالمربّي يعيش الاخوة مع طلابه فيكون التبادل الذهني والاخلاقي والانساني عاليا جدا فدوره يخرج عن نطاق سور المدرسة او الجامعة ليمتدّ عبر ارجاء البيئة المحيطة والمجتمع عامة.

في مسيرة الاوطان ،للجندية نكهة مميّزة في عيش الاخوة، فكلّ جندي هو بمثابة اخ لي ولكلّ مواطن نحن اخوة في المواطنة وكلّنا ينظر الى حماية الوطن من موقعه، فوحدة الشعور ووحدة الهدف تجمع اي مواطن مع اي جندي ويتجلّى ذلك في الدفاع عن الارض والهوية والتاريخ.

يجب ان لا ننسى المهن التي تتطلب جانبا انسانيا عاليا فالطبيب والممرّض والمساعد النفسي والاجتماعي هم في صلب عيش الاخوة كل حسب مجاله وطاقته وقدرته.

كل مواطن من موقعه ومن عمله بمقدوره ان يعيش الاخوة من خلال التفاعل الانساني الراقي ومشاركة الغير في همومه ومشاكله وفي فرحه ونجاحه اذ ان ليس الاخوة ان نتحمّل معا كل انواع الآلام فقط بل ان نتغلّب سويا على هذه الآلام ونفرح سويا عند جلائها.

ان الطبيعة تعيش ايضا روح الاخوة كما ارادها الخالق فنرى كيف الاشجار تحمي الطيور من شدّة العواصف وكيف الكهوف الجحور تحمي الحيوانات من الامطار والثلوج.

كذلك نرى كيف ان كل عناصر الطبيعة تتفاعل وتتناغم بعضها مع بعض لكي تحافظ على امها الطبيعة فالجماد يلعب ايضا دوره سبحان الله فكلّ عنصر خلقه الله له دوره في دورة الحياة. اذا نرى ان عيش الاخوة ما هو الاّ انصهار لعناصر الطبيعة وتكامل لأدوارها مع البشر.

الربّ اراد ذلك فهو الخالق الذي كوّن الطبيعة وخلق البشر ليتمتعوا بها ويعيشوا انسانيتهم واخويتهم فتكتمل الصورة.

نحن البشر علينا مسؤولية كبرى تجاه الله وتجاه بعضنا البعض وتجاه الطبيعة نحن مسؤولون عن عيش الاخوة الصادقة وعن خلق العلاقات المثالية الهادفة بين البشر. نحن مناط بنا ان نعيش سعادة حقيقية في هذه الدنيا الربّ سخّر كل شيء لنا وسلّطنا عليها هنا يكمن دورنا في تفعيل عيش الاخوة وتحصينها لكي تبقى بعيدة عن المصالح الضيّقة والمنافع الآنية والشهوات الدنيوية البائدة.

في الختام ان الهبة التي وهبت لنا ما هي الا وزنة من الوزنات التي يضعها الرب فينا فالعقل والوجدان هما المحرّكان للحياة هنا، فلنعش روح الاخوة الحقيقية الصادقة القائمة على التحاب لا التباغض:

على الحريّة لا العبودية

على المساواة لا المساومات

على التكامل لا الذوبان

على التشارك لا المصالح الشخصية

على التعايش والتآخي لا التطرف الفكري

على العطاء لا الطمع

على التضحية لا الانانية

على التواصل لا التنصّل والانفراد

على التناصح لا التفاصح

على المؤازرة لا الخذلان

وعلى مشيئة الربّ الديّان.

كلنا اخوة ولكن فلنعش انسانيتنا اولا من هنا تبدأ طريق السماء!