نجاحها لا يستلزم أكثر من أسبوعين

أعاد رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي إدارة محرّك مبادرته فور انتهاء الجلسة العامّة لمجلس النوّاب التي جرى فيها تلاوة ومناقشة رسالة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يومي الجمعة والسبت الفائتين.. وكان أوجد الموقف- المخرج- للمجلس تجنّباً لتفجير الخلافات السياسية داخل البرلمان ونقل كلّ المشاحنات عن تعطيل تشكيل الحكومة إليه. وحدّد برّي هذه المرّة أسبوعين ليس أكثر لتنفيذ مبادرته الجديدة، لعلمه بأنّ عدم «تحديد المهل» في الدستور هو الذي يوصل البلاد الى الحائط المسدود أمام كلّ إستحقاق.

مصادر سياسية عليمة أكّدت أنّ برّي حرّك مبادرته مجدّداً بعد أن لمس أن الخلافات بين الفريقين المتنازعين أي عون وفريقه السياسي والحريري لا تزال مكانها، ولم يتخلّ أي منهما عن أي مطلب. في الوقت الذي يتطلّب فيه تشكيل الحكومة التنازل من قبل أحد الفريقين أو من قبل الإثنين معاً، على غرار ما حصل أثناء التسوية الرئاسية. ولعلّ العامل الجديد في مبادرة برّي، كون مبادرته الأولى، كما الثانية اصطدمتا بحائط «الثلث المعطّل»، هو تحديد مهلة أسبوعين لنجاحها.. وفي حال جرى تخطّيها من دون الإتفاق بين عون والحريري، فقد تكون المحاولة الأخيرة من قبل برّي للتقريب في وجهات النظر بين الرجلين.

وعن جديد مبادرة برّي، لفتت المصادر الى أنّه حصل التوافق على حكومة من 24 وزيراً على قاعدة ثلاث ثمانات (8،8،8)، منهم 12 وزيراً مسيحياً على أساس حصول الرئيس عون وفريقه على 8 وزراء من ضمنهم وزير أرمني للطاشناق، ووزير لطلال ارسلان . يبقى 4 وزراء للمسيحيين، واحد لـ «تيّار المردة»، ووزير أرمني ثانٍ للطاشناق، يبقى وزيران مسيحيان لوزارتي الداخلية والعدل هما اللذان يُحدّدان إذا ما كان عون وفريقه يحصل على الثلث المعطّل أم لا، أو يُحدّد النصف زائداً واحداً لرئيس الحكومة. علماً بأنّ رئاسة الجمهورية أكّدت مرّات عدّة متتالية أنّ الرئيس عون غير متمسّك بالثلث المعطّل. فيما يخشى الحريري من أن تتعرّض حكومته الجديدة الى أحد أمرين: التعطيل والإستقالة، لكي لا يتكرّر ما حصل معه في العام 2011 إذ استقال 11 وزيراً من حكومته الثلاثينية لحظة كان مجتمعاً بالرئيس الأميركي باراك أوباما ما أدّى الى سقوطها، وبالتالي والى قطع زيارته للولايات المتحدة الأميركية كرئيس لمجلس الوزراء اللبناني.

ويقترح برّي لحلّ عقدة تسمية وزيري الداخلية والعدل التي لا تزال تحول دون ولادة الحكومة، على ما شدّدت المصادر نفسها، أن يسمّي الرئيس المكلّف وزير الداخلية والبلديات عن طريق تقديم مجموعة أسماء لرئيس الجمهورية ليتمّ اختيار أحدها. وفي الوقت نفسه يُسمّي الرئيس عون وزير العدل ويتقدّم بلائحة من أسماء عدّة ليُصار الى اختيار أحدها. على أن تتمّ جوجلة هذه الأسماء من قبل عون والحريري وبرّي والبطريرك مار بشارة بطرس الراعي. وتشير الى أنّه قد يتمّ اللجوء الى تسمية وزير أو اثنين من النوّاب المسيحيين المستقلّين كونهم يمثّلون شريحة من الشعب المسيحي من خارج تكتّل «لبنان القوي» أو «الجمهورية القويّة»، أو تسمية أي شخصيات مسيحية أخرى تستحقّ أن تُعطى الفرصة لإبراز قدراتها في مساعدة البلاد على النهوض في أسرع وقت ممكن.

ولأنّ برّي قرّر إعادة المحاولة لتسهيل تشكيل الحكومة، وقد شجّعته على ذلك دعوة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله خلال كلمته المتلفزة الأخيرة بمناسبة عيد المقاومة والتحرير، مطالباً إيّاه بـ «بذل الجهد وإن خاطر بأمنه الشخصي»، على ما أضافت المصادر، فإنّ تحديده فترة أسبوعين لمبادرته، تأتي انطلاقاً من أنّ نجاحها أو فشلها لا يجب أن يستلزم أكثر من هذا الوقت. ومن المعروف أنّ برّي قام بتجربة فعلية سابقة لتسهيل تشكيل الحكومة عندما جرى توزير فيصل كرامي عن الثنائي الشيعي من الطائفة السنيّة، أي توزير سنّي إضافي في الحكومة عن الطائفة الشيعية.. وهذا يعني بأنّ برّي قادر على اجتراح الحلول إذا كانت نوايا جميع المعنيين صافية، ويريدون فعلاً تأليف حكومة لإنقاذ البلد من أزماته، وهو قادر بالتالي على تدوير الزوايا فيما يتعلّق بالوزيرن المسيحيين أو الثلاثة من خارج حصّة رئيس الجمهورية وفريقه، في حال لم تتمّ الموافقة على اقتراحه الأخير..

علماً بأنّ برّي كان طرح سابقاً حكومة من 20 وزيراً مع إصرار الحريري على حكومة من 18 وزيراً من الإختصاصيين المستقلّين وغير الحزبيين، على ما ذكّرت المصادر، لتقريب الوجهات بينه وبين رئيس الجمهورية، ثمّ عاد ليقترح حكومة من 24 وزيراً، على ألاّ ينفرد فيها أي فريق بالثلث المعطّل، لكي لا يتمّ استخدامه في كلّ مرّة يستلزم فيها الأمر الحصول على «أكثرية الثلثين» لتعطيل أي استحقاق أو قرار أو ملف. كما جرى التوافق على إسم مشترك للمقعد الدرزي الثاني بين رئيس الحزب الإشتراكي وليد جنبلاط، ورئيس الحزب الديموقراطي اللبناني النائب طلال إرسلان.

وذكرت المصادر ذاتها بأنّ فقدان الثقة بين عون والحريري هو الذي يحول حتى الآن دون ولادة الحكومة، فرغم تأكيد عون على أنّه لا يريد «الثلث المعطّل»، إلاّ أنّه كلّما جرى التوافق على تشكيلة حكومية وعلى تقسيم عدد الوزراء فيها، فإنّ الحريري عند الوصول الى الوزراء المسيحيين من خارج حصّة عون وفريقه، ويجري اقتراح أن يتشاركا معاً في تسميتهما، يُفرمل التشكيلة، كون الثلث المعطّل «يفرق على وزير واحد». في الوقت الذي ينتظر فيه الجميع أن يتفق عون والحريري فيما بينهما، ويعملا سريعاً على تأليف حكومة إنقاذية فاعلة ومنتجة وقادرة فعلاً على معالجة الأزمات المتفاقمة والملحّة والتي لم يعد بالإمكان أن يصبر المواطن عليها طويلاً. علماً بأنّ الوقت لم يعد يسمح لذلك، لأنّ الحكومة الجديدة ستكون منشغلة بالتحضير للإنتخابات النيابية المقبلة التي يصرّ المجتمع الدولي على ضرورة أن تجري في موعدها أي في أيّار المقبل (العام 2022).

وإذ يرى البعض أنّ مبادرة برّي قد تعيقها زيارة الرئيس المكلّف الى الإمارات، إذ غادر لبنان فور انتهاء الجلسة العامّة للمجلس النيابي السبت الماضي، ترى المصادر نفسها أنّ الإتصالات جارية مع ممثلي الحريري رغم وجوده خارج لبنان، كما مع ممثلي الرئيس عون. ويُحكى عن أنّه فور عودته الى بيروت قد يزور قصر بعبدا في الزيارة رقم 19 لتقديم تشكيلة حكومة «محدّثة» تُراعي كلّ المعايير والشروط والمطالبة التي جرى استنفاد المناقشة فيها خلال الأشهر الماضية. فهل تكون هذه التشكيلة بديلاً عن الخلوة التي اقترحها السيّد نصرالله بين عون والحريري لا يخرجان منها قبل صعود «الدخان الأبيض»، أم بداية لولادة الحكومة المرتقبة؟!