لكل طائفة، في لبنان، لبنانها. وللأحزاب التي استولدتها الطوائف مثل ما للطوائف، لبنانها الذي قد يتقاطع، في نقاط معينة دون سواها، مع لبنان طائفة أخرى. لكنه لبنان، بالتأكيد، ليس هو اياه عند جميعهم. فمن هو عدوّ، في مفهوم هذا الحزب او تلك الطائفة، ليس هو كذلك عند حزب آخر أو طائفة على ضفة اخرى. وما يصح، مفهوما، على العدو، يصح على الصديق أو الحليف.

هي ازمة مفاهيم متجذرة في نفوس الكثيرين، أزمة تعصف بكيان لبنان، منذ نشوئه معيوها بتسوية، قائمة على تكاذب مشترك... ما كان ناتجا عن ردة فعل بذاتها سؤال كان يردده مؤسس حزب الكتائب الراحل بيار الجميل: أي لبنان نريد؟ كان الرجل يستشعر ان لبنان الكتائب ليس هو اياه لبنان سواها من الاحزاب.

اليوم، وعلى وقع هتاف في الحمراء، وعلى ايقاع واقعة نهر الكلب التي ذهب ضحيتها مواطن سوري، ان للمحتفلين، بالحمراء، لبنانهم القائم على مفهوم وحدة الشعب على وحدة الارض. وبدا واضحا مثله وأكثر للذين اعترضوا سبيل سوريين ذاهبين للادلاء بأصواتهم في سفارة بلادهم.

ليس الذين تصدوا للسوريين على مدخل نفق نهر الكلب خونة او عملاء، بل هؤلاء لهم لبنانهم، لهم مفهوم للبنان مختلف عن مفهوم « القوميين « المحتفلين بذكرى التحرير في الحمراء. فلبنان القوميين هو لبنان «نطاق ضمان للفكر الحر»، لبنان الذي يعتبر» اسرائيل»عدو الحدود والوجود، فيما ترى، على الضفة الاخرى، من لا يرى الرأي نفسه، بل قد يذهب بعضهم الى ان يرى العدو على الحدود الشمالية والشرقية وليس على حدود الجنوب...

مع هذه المفارقات اللاطية خلف كل المفارق، وعند الكثير من المناسبات، يبرز، واضحا، التحدي الكبير، وهو كيف يوحّد اللبنانيون نظرتهم الى لبنان ؟ فدون ذلك، ستبقى حالنا حال من يلد للموت ويبني للخراب. وسنبقى وتبقون في نفق، نتبادل من على جانبيه، تارة بالصوت وطورا بغيره رسائل التنافي بان لكم لبنانكم ولنا لبناننا...