كلّنا يعرف أن العالم بأسره في سباق مع الزمن، سباق الدول والحكومات مع التكنولوجيا والتطوّر العلمي والرقمي خصوصاً. والكل يدري بالتجارب التي تقوم بها الشركات الكبيرة وحتى الناشئة لتقديم الخدمات الرقمية بصورة اكثر كفاءة وفعاليّة. وكلّنا يواكب مدى التحوّل الرقمي للعديد من الشركات والمؤسسات حول العالم، وكيف أن هذه الذهنية تغزو العمل على الأصعدة كافة في الابتكار والانتاج ومن ثم التسويق والبيع...

كل هذا السباق يهدف الى تطوير قدرات كل دولة ومجتمع بل كل شركة كبيرة كانت او صغيرة، وهذا ما يُسمّى بالتنافس الخلاّق.

بتقديري إنّ هذا التنافس سيكون له نتائج واضحة ومثبتة في تعزيز القيمة المضافة في العمل العام وتحسين حياة الانسان.

إذاً كيف لنا ان نكون ضمن هذه البوتقة العلميّة السريعة التي تغزو العالم؟

هل نبقى متفرجين؟ أم ننخرط في ركب هذا التطوّر؟

ما عسانا أن نفعل للحاق بكل ما يجري من حولنا؟

ما هي سياسة الدولة عامة والوزارات المختصة في هذا المجال؟

بكل تواضع، الجواب هو في التعلّم المستمر، في التعلّم مدى الحياة، في التدرّب على مهارات جديدة والابتكار في مجالات جديدة.

هذا هو الباب الرسمي للبقاء في دائرة الوجود والتنافس. وهذا هو السبيل للحفاظ على نمو المجتمع والتطوّر الشخصي والمهني، وبالتالي الحفاظ على الانتاجية من خلال خلق فرص عمل جديدة بشروط جديدة تواكب العصر.

هذه الأزمنة الجديدة بحاجة اذا الى أجوبة جديدة، بحاجة الى عمل جديد، بحاجة الى ابتكارات جديدة وبحاجة الى تطوّر مستمر وبالتالي الى تعلّم مستمر ونوعيّ.

هذا التعلّم المستمر، قد أكده علماء الاجتماع والتربية بأنه ضرورة للتطوّر ونمو المجتمعات، وهذا ما حصل ابان سقوط جدار برلين، فان الحكومة الالمانية قد اخذت على عاتقها تطوير وتعزيز قدرات كل العمال الذين كانوا آنذاك في المانيا الغربية، وهذا التدريب الذي حصل جعل من المانيا قوّة اقتصادية عالميّة منافسة في المجالات كافةوخصوصاً الصناعيّة منها.

التعلّم المستمرّ يصبّ اذا في تعزيز القدرات وتنشئتها وتحسين المعارف والمهارات اللازمة للعمل وتحقيق الذات.

في المنحى التربوي، ان هذا التعلّم يجب ان يكون دائماً وشاملاً بمعنى آخر على مدى العمر ولجميع الأعمار وعلى المستويات كافة.

ان هذا التدريب الشامل الأفقي والعامودي سيكون الرافعة الاقتصادية والمالية لكل دولة تنخرط في هذا التحدّي، بل سيكون المناص الوحيد للبقاء على قيد الحياة الاقتصادية.

هذا هو الزمن الجديد وهذه شروطه!

ان التغيّرات التي حصلت وتحصل حوّلت السوق الصناعي الى سوق للخدمات وبالتالي انحسرت المؤسسات التقليدية ونشأ اقتصاد المعرفة.

فقد لاحظ العديد من الباحثين في حقل التربية والتدريب عبر العالم أن التعليم أو التدريب التقليدي لم يعد كافياً للحاق بما يدور حولنا. وأنه لم يعد يؤمن الحياة الكريمة للعديد من الشعوب.

وهنا يكمن دور وزارة التربية في البحث عن طرق تعليم وتدريب جديدة من خلال وضع مناهج معاصرة وحديثة تواكب كل هذا التطور والتغيير الحاصل.

فالمناهج يجب ألا تكون تقليدية والتغيير المنشود يجب أن يشمل المنهج في الشكل والمضمون.

من حيث الشكل يجب ان يشمل الاعمار كافة وألا يكون محصوراً بفترة زمنية واطار عمر محدّد، وأن يكون خارج النظام التعليمي الرسمي التقليدي.

من حيث المضمون يجب اضافة الكثير من المواد التي تؤمّن فهمًا لمصطلحات جديدة إن كان في الاقتصاد والمال او في عالم البرمجة والنظام الرقمي الجديد والتطور الصناعي عامة، وجعل كل هذا التغيير الايجابي في متناول جميع شرائح المجتمع والعمل على تمريره من جيل الى جيل وتطويره من شخص لآخر.

فان المعرفة والمهارات هما متغيّران اساسيّان في نهضة الشعوب.

فكلما زادت المعرفة ونمت المهارات، ارتفع منسوب الوعي وانتعش الاقتصاد وتنامت فرص العمل وبالتالي انخفض معدّل البطالة وتقهقر الفقر والجهل.

وأيضاً فان وزارتي التنمية الادارية والشؤون الاجتماعية عليهما دور كبير في تدريب وتطوير قدرات العاملين في جميع وظائف الدولة وعليهما ان يعملا على تغيير جذري في طبيعة الوظائف الموجودة، فان قسماً منها لم يعد يلبّي حاجات السوق، فليعملا على استبدالها بأخرى معاصرة وحديثة، وأن قسماً آخر بحاجة الى تطوير لمواكبة هذا الانفلاش التكنولوجي وهذا التحوّل الرقمي.

اذاً هذه مسؤولية مجتمعيّة واسعة الاطراف، فأخذ المبادرة يجب ان يكون من خلال سياسة الدولة ومن ثم غرزها في أذهان المواطنين وتعزيز مفهوم وقيم التعلّم مدى الحياة. فالخطوات الاساسية تكمن في تجميع الخبرات والتجارب والتعمّق بها لاستخلاص العبر ومن ثم تطويرها من خلال نقاط قوّتها ونقاط ضعفها، وبالتالي اللجوء الى التدريب والارشاد والتطوير والتقييم والأهم درس حاجات المجتمع وتوجيهه الى اختصاصات عصرية منافسة تكفل استمراره ونموّه وتقدّمه.

على المستوى المحلّي علينا البدء في رحلة الألف ميل، رحلة شاقة ومتعبة، لكنها تنقلنا من بلد تأكله الازمات والاخفاقات الى بلد طليعي لصنع المبادرات، وبالتالي يخلق فرص عمل لكل أبنائه المقيمين والمغتربين.

فلنعمل على:

رفع مستوى المهارات لدى كل العمّال،

توسيع دائرة المعارف لدى الموظفين وحثّهم على مواكبة كل جديد،

تطوير الذكاء الاصطناعي في جميع المؤسسات والادارات العامة،

تعميم التحوّل الرقمي على جميع وحدات الوزارات،

تمكين المرأة في المجالات كافة ولكل الاعمار،

خلق ذهنية الابتكار في كل مؤسساتنا الرسمية والخاصة،

تعزيز الثقة في نفس كل مواطن وحثّه على التعلّم والتطوّر،

دفع كل المواطنين الى الانخراط في المجتمع بطريقة فعّالة تنعكس بالافادة على المواطن والمجتمع عامة،

مواكبة التطوّر الحاصل في مجالات التواصل الرقمي والاستفادة منه في عملية بيع المنتج،

حث المتخرجين على البحث العلمي وابتكار صناعات جديدة وتصميم تطبيقات ذكية...

في الختام اود ان اقول بأن نصف المعرفة اكثر خطورة من الجهل، فلنعمل على البحث الدائم عن كل المعرفة وتجييرها للخير العام ولمجد الرب!