يتواصل السعي من قبل رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي لتسهيل تشكيل الحكومة الموعودة لإنقاذ الوضع الإقتصادي والمالي المتردّي ووقف الإنهيار الحاصل على مختلف الصعد. على مقلب آخر، رفع البعض في الداخل العشرة، مؤكّدين أنّ الرئيس المكلّف سعد الحريري لا يريد تأليف حكومة... فهو يرى أنّ ليس من مصلحته تشكيلها في هذه المرحلة بالذات، لا سيما إذا لم تنجح في معالجة بعض الأزمات المتفاقمة في البلد، ما سيجعله يتحمّل بالتالي مسؤولية الإنهيار التام. ويرى أنّه حتى إذا جرت الموافقة على تشكيلته أو مسودته الحكومية من قبل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون التي تسلّمها منه، والتي تشوبها ثغرات عدّة، فسيجد الحريري ذرائع أخرى لعدم التشكيل.

مصادر سياسية متابعة أكّدت أنّ الرئيس برّي أعطى لمبادرته الجديدة مهلة إضافية تستمرّ حتى نهاية شهر حزيران الجاري لتأمين نجاحها من دون أن تكشف عن الأفكار التي تتضمّنها فعلياً. فهذه الأخيرة هي مبادرة مرنة، على ما وصفتها، يُمكن أن تتبدّل معطياتها وفق تجاوب طرفي النزاع معها أي الحريري (أو «تيّار المستقبل»)، والرئيس عون ومن ضمنه النائب جبران باسيل (أو «التيّار الوطني الحرّ»). ويُحاول الرئيس برّي من خلال «مقترحاته التليينية والتهدوية» إنشاء هدنة بين هذين الطرفين، كون تشكيل الحكومة من دون توافقهما وفكّ الإشتباك بينهما، لن يُعطي النتائج المرجوّة التي ينتظرها الداخل والخارج، والمتعلّقة بوقف الإنهيار الشامل وتحسين الوضع الإقتصادي والمالي والمعيشي في البلد.

أمّا حصول التقارب بين «المستقبل» و»الوطني الحرّ» فيحتاج الى التنازل أو التراجع من قبل الطرفين المعنيين، على ما أضافت، هذا التنازل الذي لم يلحظه الرئيس برّي سوى بالأقوال وليس بالأفعال، فضلاً عن وجود «النوايا الحسنة» لدى الفريقين لإنقاذ البلد. فمن دون هذه النوايا لا يُمكن لأي حكومة جديدة أن تُقلّع أو أن تقوم بتحقيق برنامج إقتصادي إصلاحي، على ما هو مطلوب منها. ولكن في حال وُجدت النوايا الحسنة، فبالإمكان عندها الحديث عن نوع الحكومة التي لا بدّ من تشكيلها والتي تتناسب مع الوضع الحالي.

وبرأيها، إنّ الكثيرين في الداخل بات لديهم شكوكاً من أنّ الرئيس المكلّف لا يريد تشكيل الحكومة. ففي كلّ مرّة يجري التوافق فيها على أحد مطالبه من قبل الرئيس عون، يضع ذريعة تعطيلية أخرى. فبعد موافقة عون على عدم التمسّك بالثلث المعطّل في حكومة من 24 وزيراً وفق معادلة (8،8،8)، وإعلان رئاسة الجمهورية مرات عدّة عن هذا الأمر، لم يُوافق الحريري على اقتراح برّي المتعلّق بتسمية الوزيرين المسيحيين من قبل الطرفين، واشترط الا يحجب «تكتّل لبنان القوي» الثقة عن حكومته الجديدة في مجلس النوّاب.

رغم ذلك، فإنّ الرئيس برّي واصل اتصالاته ولقاءاته خلال اليومين الماضيين، بهدف اجتراح «حلول سحرية» تُرضي الطرفين، تتعلّق باقتراح لحلّ عقدة تسمية الوزيرين المسيحيين، بعد أن قام سابقاً بعرض صيغ عدّة في هذا السياق جرى رفضها، بشكل يُفضي الى عدم الخوف على الصلاحيات والكرامات المسيحية التي يحرص عليها الجميع، وذلك بعد تجاوز عقدة «الثلث المعطّل». ولفتت الى أنّه يُمكن للرئيس الحريري في حال شكّل أي حكومة أن يُعطّلها، ليس بالثلث المعطّل، إنّما بمجرّد الإستقالة، إذ تسقط الحكومة فور استقالته وتُصبح حكومة تصريف أعمال. وتقول بأنّ مبادرة برّي التي تُعتبر الفرصة الأخيرة المتاحة اليوم أمام المتنازعين تحظى برضى خارجي من قبل فرنسا، وبمباركة مبدئية من الولايات المتحدة الأميركية لتسهيل ولادة الحكومة، لا سيما وأنّ التقارب بين أميركا وإيران، والسعودية وإيران بات على قاب قوسين. ومن المستحسن بالنسبة للجميع، على ما ترى هذه الدول، تقديم مصلحة الوطن على المصالح الفردية الشخصية، وعلى حسابات الإنتخابات النيابية والإستحقاق الرئاسي المقبلين.

من هنا، إذا لم يُظهر الطرفان أي تجاوب مع اقتراحات الرئيس برّي، فإنّ لبنان متجه نحو مصير مجهول وخطير، على ما أشارت المصادر نفسها، إذ لم يعد هناك في الأفق السياسي أي بصيص أمل سواها. وترى بأنّ عدم تقديم التنازلات من الطرفين المذكورين سيجعلهما المسؤولين بشكل مباشر عن غرق البلد بشكل كامل، ولن يرحمهما الشعب في أي إنتخابات نيابية مقبلة، سيما وأنّهما يُعوّلان على هذه الأخيرة، في حال بقيت حكومة الرئيس حسّان دياب حتى نهاية عهد عون.

وإذا كان الخارج يُطالب المسؤولين اللبنانيين اليوم بتشكيل حكومة في أسرع وقت ممكن، فهو لم يعد يعير أي أهمية لنوع هذه الحكومة، أكانت «حكومة مهمّة إنقاذية»، أو سياسية أو من الإختصاصيين أو غير ذلك. فالمهم بالنسبة له أن يكون للبنان حكومة جديدة تتكلّم باسمه، بدلاً من أن يبقى مثل أي بلد قاصر ليس من جهة رسمية تمثّله. ولهذا، فإنّ الدعوة الى تشكيل «حكومة أقطاب»، أو «حكومة إنتخابات» قد تكون هي الخطوة التالية، على ما أشارت المصادر عينها، قبل موعد استحقاق الإنتخابات الرئاسية في تشرين الأول من العام المقبل (2022). فحكومة الأقطاب التي طرحها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي كحلّ يحسم النزاع بين القيادات السياسية مستذكراً تشكيل الرئيس الراحل فؤاد شهاب حكومة من أربعة أقطاب أدّت الى قيام دولة القانون والمؤسسات يتمّ التداول بها، كونها تُساوي بين القيادات من مختلف الطوائف والأحزاب والإنتماءات، وتُعيد اليهم روح الشراكة وتحمّل المسؤولية في كلّ القرارات التي تتخذها حكومتهم خصوصاً إذا كانت نيّتهم الإصلاح والإنقاذ.

غير أنّ «حكومة الأقطاب» التي حلّت الخلاف الذي كان قائماً في عهد شهاب وأدّت الى قيام دولة القانون والمؤسسات، يصعب تشكيلها مثيلتها في المرحلة الراهنة، على ما شدّدت، لا بل قد يستحيل هذا الأمر. والأسباب كثيرة، أهمّها أنّ الأقطاب أنفسهم بعد أن أصبحوا يُسمّون الوزراء لن يُوافقوا على العودة الى المناصب الوزارية، فضلاً عن أنّ ثلاثة أو أكثر من الأقطاب المسيحية (أي باسيل، فرنجية، جعجع والجميّل) يطمحون لمنصب «رئيس الجمهورية المقبل»، الأمر الذي يجعلهم يرفضون المشاركة شخصياً في أي حكومة إنقاذ أو غيرها.

أمّا أن تكون الحكومة الجديدة هي «حكومة إنتخابات» فهو أسهل الأمور، وقد تُوافق عليه دول الخارج ولا سيما فرنسا خصوصاً بعد استنفاد جميع المحاولات دون التوصّل الى أي نتيجة إيجابية، إذ بإمكان الرئيس المكلّف الإعتذار متى يشاء، وتشكيل حكومة تُدير الإنتخابات المقبلة. ولكن يجب أن يتعهّد رئيسها وكلّ الوزراء فيها عدم الترشّح للإنتخابات النيابية، على غرار ما حصل مع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في العام 2005، التي استطاعت إجراء الإنتخابات من دون أن يكون لميقاتي وأي وزير فيها الحقّ في الترشّح للإنتخابات النيابية. وفيما عدا ذلك، فإنّ الإستمرار بشدّ العصب الطائفي من قبل الحريري وباسيل، أو التنازع على الصلاحيات، سيهدر الوقت سدى وسيزيد من غرق البلد، ولن يصبّ بالتالي في مصلحة أي من طرفي الصراعفي صناديق الإقتراع.