تستمرعظات ومواقف البطريرك الماروني بشارة الراعي، في اطلاق الصرخات المدوّية لحث المسؤولين لإنقاذ لبنان، عبر ترك مصالحهم الخاصة وخلافاتهم حول تقاسم كل شيء في الوطن الذي شارف على النهاية، فيما يبقى الصمت سيّد مواقفهم، على الرغم من النداءات الداخلية والخارجية، ودعوات المجتمع الدولي الى إنقاذ بلدهم المهدّد بزواله عن الخارطة الدولية، وفي عظته الاخيرة دعا الراعي الدولة الى التحرك نحو الدول الشقيقة والصديقة، للتفاوض معها لمساعدة لبنان، لان الشعب لم يعد يحتمل مزيداً من القهر والإذلال، لكن وكالعادة لم يتلق اي جواب.

هذا السكوت المدوّي والدائم، دفع بالبطريرك الراعي الى نقل مواقفه من الدين الى السياسة، بحسب مصادر كنسية، بسبب إستشعاره الخوف الكبير على مصير لبنان، وتدهور الاوضاع فيه على كل المستويات، في ظل غياب أي بارقة امل بالحل، اذ يبدو سياسيوه في مكان آخر بعيدين عن هموم الشعب المحبط واليائس، خصوصاً الشباب المنتظر على قارعة طريق السفارات، طالباً الهجرة مهما كان ثمنها وتبعاتها، لانها لن تكون أسوأ من العيش في هذا الجحيم، اذ لم يترك الراعي مناشدة إلا واطلقها، خصوصاً الى الدولِ الصديقة لنجدة لبنان، والى منظَّمة الأمم المتحدة للعمل على تطبيق القرارات الدولية وإعلانِ حياده، الذي هو ضمان وحدته وتموضعه التاريخي في هذه المرحلةِ المليئة بالتغيّرات، فضلاً عن الزيارة المرتقبة الى الفاتيكان في الاول من تموز المقبل، لحضور اللقاء الجامع للقيادات الروحية، وكل هذا يؤكد مدى الخوف على مصير لبنان الذي يتهاوى كل يوم.

الى ذلك، ثمة اسئلة تطرح عن غياب دور الاحزاب المسيحية في عملية الانقاذ التي دعا اليها الراعي، في ظل الازمات المتراكمة ودروب الانهيارات المفتوحة في شتى المجالات، فلماذا يغيب ذلك الدور وبصورة علنية، ويكتفي بزيارات دعم وتأييد، من دون اي عمل فعلي على الارض، اذ لم نشهد اي وساطة لهذه الاحزاب سوى المطالبة بما يساهم في تفاقم مصالح رؤسائها، وبحسب الثوب السياسي الذي يتلاءم مع طموحاتهم.

هذا على الصعيد السياسي، اما على الصعيد الشعبي، فلا يوجد سوى الكلام الشعبوي المهاجم للسلطة الحاكمة، فيما الكل توالى على المشاركة في الحكم خلال الحكومات المتعاقبة، التي لم تقدّم شيئاً من الاصلاحات او تتصدّى للفساد، بل ساهمت بها كما غيرها.

وانطلاقاً من هنا تشير مصادر مسيحية مطلعة، الى انّ غياب الدور المسيحي الحزبي عن مساعدة بكركي في تحقيق وساطتها ومبادرتها، نحو حل الازمة الحكومية بين بعبدا وبيت الوسط، يثير إستغراباً، فبدل ان تلعب تلك الاحزاب دوراً في الحل، وتضع يدها بيد الراعي الذي يعمل لمصلحة لبنان، نراهم غير مهتمين، ربما بسبب طموحاتهم البعيدة المدى، او بسبب خلافاتهم التي تطغى على كل شيء، فيما نرى بعضهم يناقض نفسه، اذ ينادي بتقوية القرار المسيحي، وفي الوقت عينه نجده بعيداً عن ذلك، كما يطالب بإجراء انتخابات نيابية مبكرة، وهو على علم بأنّ هذا لن يتحقق بالتزامن مع الظروف الصعبة في لبنان، وبالتالي، لن يجد له مقعداً في المجلس النيابي، كما انّ بعضهم قام بركوب موجة الثورة والحراك المدني للتباهي بوقوفه الى جانب الشعب، وذلك لتضليل الرأي العام والحصول على مكاسب لم تعد متوفرة، بعد ان فُضحت مسرحياتهم.

وتشدّد هذه المصادر على ضرورة تقوية القرار المسيحي، والوقوف الى جانب بكركي في وساطتها لإنقاذ لبنان، وفتح كل الدروب المقفلة بدءاً من وساطات مسيحية واسلامية مشتركة، للوصول الى حل، لان البطريرك الماروني يقف اليوم وحيداً امام هذه المهمة الشاقة، وأبدت المصادر إستغرابها لغياب الدعم المسيحي الداخلي للراعي، الذي لقي تشجيعاً من المجتمع الدولي وبصورة خاصة فرنسا، فيما هوجم من قبل البعض لانه يتدخل في السياسة، على الرغم من ان غرضه معروف وهو تحقيق المصالحة بين بعبدا وبيت الوسط لحل الازمة الحكومية.

وعن كيفية جمع المسيحيين بصورة فعلية ونهائية، شدّدت هذه المصادر على ضرورة مصالحة الاقطاب بصورة حقيقية، لا بالصور والمصافحات غير البريئة، مع التشديد على إنتهاء صراعهم السلطوي، والعمل الجماعي ضمن عنوان واحد هو «مصلحة لبنان اولا».