تحرّكات أممية وأوروبية لتقديم المساعدات الإنسانية للشعب

ينقل سفراء دول الخارج لا سيما تلك المهتمّة والمنخرطة في الوضع الداخلي اللبناني أنّ «الإنهيار الشامل في لبنان خطّ أحمر»، و «نقطة عالسطر».. لكن لا نجد أي من هذه الدول مثل فرنسا والولايات المتحدة الأميركية وروسيا وإيران والسعوديةيضغط فعلياً على حلفائه في الداخل لتسهيل تشكيل الحكومة. وما يُثير الدهشة أكثر أنّ الجميع يعلم أنّه بمجرّد أن تُبصر الحكومة النور، فإنّ العملة الأجنبية، لا سيما الدولار الأميركي سينخفض الى النصف، وسوف تستعيد الليرة اللبنانية قيمتها الشرائية تدريجاً، وسيتمكّن لبنان من الحصول على الدعم المالي الذي من شأنه إنقاذ البلاد من أزمته الإقتصادية.فلماذا لا يتمّ الضغط إذاً لإنجاح مبادرة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي المستندة الى المبادرة الفرنسية، والمستمرّة الى حين وضع الجميع أيديهم معه لإنقاذ البلاد، ولماذا لا تُسمع نداءات البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الذي يتحضّر مع رؤساء الطوائف المسيحية والمرجعيات لزيارة الفاتيكان تلبية لدعوة البابا فرنسيس لعقد اجتماع معه في 1 تمّوز المقبل؟!

أوساط ديبلوماسية عليمة أكّدت أن ثمّة تحركّات أمميّة وأوروبية عدّة باتجاه لبنان بغية تأمين مساعدات إنسانية للشعب اللبناني خشية حصول انفجار إجتماعي بسبب تفاقم الأزمة المعيشية والإقتصادية الخانقة نتيجة الغلاء الفاحش الذي تشهده أسعار جميع السلع الغذائية والمواد الأساسية. فما يهمّ هذه الدول بالدرجة الأولى هو تقديم المساعدة للشعب، لا سيما عقب صدور تقرير الأمم المتحدة الأخير الذي نصّ على أنّ «نصف اللبنانيين يعيشون اليوم في حالة من الفقر، وأنّ مستوى الفقر الحاد قد ارتفع من 8% عام 2019 الى 23% عام 2020، فيما ارتفع مؤشّر أسعار المستهلك بين العامين 2019 و2021 الى أكثر من280% وأسعار المواد الغذائية والمشروبات الى 670 %. وذكر بأنّ مليون و88 ألف لبناني بحاجة لدعم مستمرّ لتأمين احتياجاتهم الأساسية بما فيها الغذاء». وقدّرت الأمم المتحدة أنّ ثمّة حاجة الى نحو 300 مليون دولار أميركي لتغطية الإحتياجات الأساسية لمليون ونصف لبناني و400 ألف عامِل مهاجر يعيش في لبنان خلال الأشهر الثمانية المقبلة.

وهذه الحالة المأسوية التي وصل اليها الشعب اللبناني، وتُنقل مع الأسف الى دول الخارج عبر سفرائها في لبنان، هي التي حرّكت بعض الدول الأممية والأوروبية والعربية لدعم الشعب اللبناني وليس للضغط على المسؤولين اللبنانيين لتشكيل الحكومة كونهم لم يُظهروا حتى الآن أي تعاطف مع هذا الشعب الذي افتقر بفعل سياساتهم، ولا أي مسؤولية بالتالي لحلّ المشاكل التي يعاني منها، بل لا زالوا مختلفين على الصلاحيات وعلى هذا المقعد الوزاري أو ذاك.

وأوضحت الأوساط عينها، أنّه في الوقت الذي يُواجه فيه لبنان إحدى أسوأ الأزمات المالية والإقتصادية في تاريخه الحديث، لا يُمكن للمجتمع الدولي سوى تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة للشعب، في الوقت الذي لا يزال المسؤولين فيه مُطالبون بتشكيل حكومة في أسرع وقت ممكن وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية المطلوبة، ليُصبح هذا المجتمع قادراً على استعادة الثقة بالحكومة وعلى القيام بالإستثمارات في البلاد.

أمّا لماذا لا تضغط هذه الدول على حلفائها في الداخل، فأشارت الاوساط الى أنّ كلّ منها منشغل بمشاكله، فصحيح بأنّ دول الخارج تُفكّر بلبنان، غير أنّ عدم وضع المسؤولين اللبنانيين بلدهم في سلّم أولوياتهم، هو الذي يدفعها الى ترك زمام الأمور في أيديهم، الى حين حصول التسويات الإقليمية والدولية. فهذه الأخيرة سيدخل لبنان من ضمنها، ويُخشى من أن يكون كبش محرقة فيها، ومن هنا جاءت نداءات البطريرك الراعي بتحييده عن صراعات دول المنطقة والجوار ليستعيد عافيته وينعم بالسلام.

في المقابل، كشفت الأوساط نفسها بأنّ مؤتمرات إغترابية عدّة تجري خارج لبنان من قبل رجال أعمال وناشطين لبنانيين من مختلف القطاعات يتمتّعون بالحسّ الوطني والإنساني، منها المؤتمر الذي يُعقد اليوم في قبرص ويُركّز على طلب المساعدة من الدول المحيطة لدعم الشعب اللبناني في ظلّ غياب الدولة عن القيام بمهامها تجاه مواطنيها. ويطرح هذا المؤتمر خطة عمل وتعقد خلاله طاولات مستديرة وحلقات نقاش حول: ما الذي نريده من لبنان، هل نريد كلبنانيين الحفاظ عليه أم إعادة هيكلة الدستور اللبناني، أو إحياء الدستور كما هو من خلال حصر السلاح في يدّ الجيش اللبناني وتطبيق اللامركزية الإدارية وسواها؟!.. ويهدف بالتالي الى تقديم بعض الحلول من خلال الإتعاظ من تجارب الدول الأخرى التي عانت من أزمات مشابهة، بهدف جلب المستثمرين واليد العاملة اللبنانية، وتدريب اللبنانيين على بعض المهن الحرّة، سيما وأنّ مغادرة نحو 200 ألف عامل أجنبي من لبنان، من شأنها تأمين فرص العمل لبعض اللبنانيين الذين يُعانون من البطالة.

وتقول الاوساط بأنّه من شأن هذه المؤتمرات تقديم العون للشعب اللبناني بشكل مباشر دون المرور بالدولة اللبنانية التي لم يعد هناك ثقة بها من قبل المجموعات الإغترابية، خصوصاً بعد تفقير الشعب اللبناني وحرمان أطفاله من الحليب بفعل جشع التجّار والإحتكار، ومن ثمّ تلف 20 طنّاً من هذه المادة بعد انتهاء صلاحيتها، فضلاً عن أزمة فقدان المحروقات التي يعاني منها أخيراً. وتأمل هذه المجموعات الإغترابية في إيجاد الحلول المؤقّتة لتحسين أوضاع الناس، في الوقت الذي تتركهم فيه الدولة لقدرهم ومصيرهم مع ارتفاع سعر الدولار الأميركي وتخطّيه عتبة الـ 15 ألف ليرة.

وتشير الاوساط أنّ لبنان يأمل أيضاً الكثير من المؤتمر المصغّر الذي سيُعقد في الفاتيكان بدعوة من البابا فرنسيس ويضمّ رؤساء الطوائف والمرجعيات الروحية المسيحية في الأول من تموز المقبل، لا سيما فيما يتعلّق بإبقاء المسيحيين في أرضهم مع المعلومات التي وصلت الى الفاتيكان عن بلوغ عدد طالبي الهجرة من اللبنانيين المسيحيين خلال الأشهر الأخيرة نحو 280 ألف شخص. فضلاً عن التشديد على الحفاظ على لبنان كبلد الرسالة، على ما وصفه البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، والبلد النموذجي للتعايش في الشرق الأوسط بين المسيحيين والمسلمين أي بين مختلف الطوائف الـ 18 التي تعيش على أرضه.

ولبنان الذي كان البلد السبّاق في منطقة الشرق الأوسط من بين كلّ دول المنطقة، على ما أفادت الأوساط عينها، لن تسمح دول الخارج، والمجموعات الإغترابية والفاتيكان بتركه يئن بمفرده وسط تلكوء المسؤولين فيه. لهذا، سنشهد نتائج عملية، على صعيد تقديم المساعدات للشعب اللبناني للخروج من كبوته خلال الأسابيع المقبلة. فالجهود ستُبذل من أجل التعافي المُبكر للشعب من أزماته، غير أنّ هذا الأمر لا يكتمل من دون سعي المسؤولين لتشكيل الحكومة في أسرع وقت ممكن بهدف إنقاذ لبنان وتنميته سريعاً.علماً بأنّ البنك الدولي حذّر أخيراً من أنّ أزمة لبنان الإقتصادية والمالية تُصنّف من بين أشدّ 10 أزمات، وربّما من بين الثلاث الأسوأ منذ منتصف القرن الـ 19، منتقداً التقاعس الرسمي عن تنفيذ أي سياسة إنقاذية وسط الشلل السياسي الذي تعيشه البلاد، فهل من يسمع؟!