عون يُريد مناقشة التشكيلة «بالتفصيل المملّ» والحريري يرفض التعدي على دوره

يسعى حزب الله اليوم للتوفيق بين الرئيسين ميشال عون ونبيه بري لاستئناف المسعى من اجل تاليف الحكومة الجديدة بعد ان انفجر الصراع بين قصري بعبدا وعين التينة، وما يزال الحزب يدعو الى التنازلات المتبادلة لانتاج صيغة متوازنة تضمن ولادة حكومة توافقية تحفظ حقوق الاطراف المتصارعة وتؤمّن الحد الادنى من الشروط الدولية التي عبّرت عنها المبادرة الفرنسية، ولا يريد ان تصل عملية تأليف الحكومة الى طريق مسدود، وفي الوقت نفسه، لا يريد ان يتجاوز مبادرة بري، لانه يدرك انها المبادرة الوحيدة القابلة للاستمرار والتي تحظى بالغطاء الداخلي والخارجي حتى الآن.

وبعد حرب البيانات بين القصرين، وجد حزب الله نفسه في وضع حرج، فهو بطبيعة الحال لا يقبل تخريب تحالفه وعلاقته التشاركية مع بري و «حركة امل» تحت اي ظرف من الظروف، ولا يفرّط بتحالفه مع الرئيس عون والتيار الوطني الحر في الوقت نفسه، لذلك سارع الى محاولة التهدئة بين الطرفين قدر الامكان، وقيل ان اتصالات جرت على ارفع مستوى في هذا الاطار، من اجل تخفيف الاحتقان تمهيدا لاستئناف المساعي الحكومية.

وعلى الرغم من استمرار اوساط «امل» و «التيار» في التراشق بالتغريدات والتصريحات، فان التصعيد تراجع نسبيا، لا سيما بعد نجاح المحاولات والاتصالات التي جرت عشية اضراب الاتحاد العمالي العام في لجم المواقف وتراجع القوى المساندة لتحرك الاتحاد، لا سيما «حركة امل» عن النزول الى الشارع والاكتفاء بالمشاركة من خلال هيئاتها العمالية بالاضراب والوقفات الاعتصامية المحدودة.

وتقول مصادر مطلعة في هذا المجال، ان عدم اللجوء الى الشارع واقتصار يوم الاضراب على تحركات محدودة جدا لقطع الطريق امام موجة تصعيد اكبر، لا سيما في ظل الاجواء المحمومة التي ولّدتها البيانات النارية بين بعبدا وعين التينة، وتضيف ان المساعي الاخيرة نجحت في اطفاء نار الشارع، للانصراف الى محاولة تخفيف حدة الاحتقان بين عون وبري واعادة الوضع الى ما كان عليه من اجل استئناف مبادرة رئيس المجلس.

وتشير المصادر في هذا المجال، الى ان دعوة قيادة حزب الله مجددا على لسان نائب الامين العام الشيخ نعيم قاسم، ووفقا لبيان كتلة الحزب الى تقديم التنازلات المتبادلة ومتابعة ما جرى تحقيقه حتى الآن، يعكس بشكل واضح الرغبة في استئناف مبادرة بري من النقطة التي وصلت اليها بعد الاجتماع الاخير بين الخليلين والحاج وفيق صفا ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الذي حرص في بيان كتلته النيابية الاخير، رغم التوتر الحاصل، على الالتزام بمبادرة رئيس المجلس.

وحسب المعلومات، فان بري رغم كل ما حصل، مستمر في مبادرته الى النهاية، خصوصا انها باتت تشكل الطريق الوحيد لتذليل العقبات والاتفاق على تأليف الحكومة.

وبانتظار ما ستؤول اليه جهود التهدئة التي يقال ان المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم سيتولى القيام بها، يبدو ان الاسباب التي حالت دون الاتفاق على الحكومة ما زالت تتحكم بهذا الملف الاساسي والمحوري.

ففي بعبدا لم تتبدل المواقف والاجواء، حيث يصر الرئيس عون على مناقشة التشكيلة الحكومية بالتفصيل المملّ مع الحريري وفقا لتفسيره للمادة ٥٣ من الدستور، معتبرا ان المشاركة في التأليف تعني الشركة الكاملة في هذه العملية، بطريقة يعتبرها الحريري تجاوزا ومسا بصلاحيات ودور رئيس الحكومة المكلف.

وفي ميرنا الشالوحي او البياضة، يعتبر النائب باسيل انه قدم التسهيلات الكافية في شأن تسمية الوزيرين المسيحيين، متجاهلا ومتجاوزا في اقتراحاته حقيقة ان هذين الوزيرين محسوبان اصلا من حصة الحريري في اطار صيغة الـ ٨،٨،٨، ويصر ايضا على حجب الثقة عن الحكومة رغم مشاركته في عملية التأليف وتسمية وزراء محسوبين من حصة التيار. وهذا الموقف يعترض الحريري عليه بشدة، رافضا التخلي عن حق الرئيس المكلف في تسمية الوزيرين او المشاركة في تسميتهما بالتوافق مع رئيس الجمهورية.

ويبدو واضحا، ان رأي الحريري في هذه النقطة يلقى تفهّما لدى الاطراف السياسية الاخرى، لكن مطالبته المسبقة بمنح التيار الثقة للحكومة، تبدو ظاهرا او بالشكل غير دستورية، لان التصويت على الثقة يكون في جلسة مجلس النواب بعد تشكيل الحكومة على اساس البيان الوزاري الذي ستتقدم به الى المجلس. اما في المضمون فان ما يطلبه الحريري يستند الى المنطق الطبيعي والسائد، وهو انه من واجب الطرف الذي يشارك في الحكومة ان يمنحها الثقة، خصوصا ان الوزراء المحسوبين على التيار والرئيس عون سيشاركون في صياغة ومناقشة واقرار البيان الوزاري في مجلس الوزراء.

اما في عين التينة، فان ما اكد عليه بري مرارا هو تشكيل حكومة باسرع وقت وفق المبادرة الفرنسية من وزراء اختصاصيين عير حزبيين، تكون حكومة انقاذية منتجة لا تتضمن اسباب او عناصر التعطيل وبالتالي لا تتضمن ما يسمى بالثلث الضامن او المعطل. لذلك عرض في مبادرته بنسختها الثالثة الاخيرة صيغة الـ ٢٤ وزيرا على اساس ٨، ٨،٨.

وكان بري موازنا بطريقة دقيقة عندما اقنع الحريري بحكومة الـ ٢٤ وزيرا، بعد ان كان يصر على ١٨ وزيرا، وعندما اجتهد في طرح فكرة الـ ٨،٨،٨، تكريسا لاستبعاد الثلث المعطل الذي اكد الرئيس عون غير مرة ان لا يسعى اليه.

ويقول مصدر سياسي ان بري أدى منذ طرح مبادرته وحتى اليوم دورا وسيطا وانقاذيا، ولم ينحاز في مناقشة عملية تأليف الحكومة الى اي من طرفي النزاع عون والحريري، اما ما صدر عنه في بيانه ردا على بيان رئاسة الجمهورية، فهو موقف يتعلق بالدستور ودوره الذي لم يكن يوما تجاوزا لصلاحية احد، بقدر ما كان وما زال عاملا اساسيا في خلق الفرص لتأليف الحكومة، وبالتالي القول ان صفة الوسيط سقطت عنه هو في غير محله، مع العلم، ان بري لا يُحبذ صفة الوسيط ولا يؤدي هذا الدور، بل يؤكد انه سعى ويسعى دائما الى تقديم الافكار والحلول للازمة الحكومية.

وفي الخلاصة لا يبدو ان هذه الحلول سالكة في ظل استمرار ازمة الثقة الكبيرة بين الرئيسين عون والحريري، وفي ظل ازمة العلاقة بين الحريري وباسيل.