لا واشنـــطن، ولا طهران، ترغبان في الذهاب الى الانفجار. اذاً، ما الداعي للتصعيد الديبلوماسي، والتصعيد العسكري؟ ما شاهدناه في الأيام الأخيرة لكأنها العودة الى فلسفة دونالد ترامب في اللعب على حافة الهاوية...

الجانبان (بمن في ذلك ابراهيم رئيسي) يريدان العودة الى الاتفاق النووي. الادارة الأميركية تزمع احتواء الحرائق في الشرق الأوسط للانتقال بالصراع، وبأدوات الصراع، الى الشرق الأقصى.

الادارة الايرانية التي تعاني من الضائقة الاقتصادية القاتلة، تدرك ما هي الآثار الكارثية للانفجار، كما تدرك مدى الوضع التراجيدي في كل من سوريا، والعراق، ولبنان، وهو، في أحد وجوهه، نتاج لحالة العداء بينها وبين الولايات المتحدة.

لكن الجانبين يواجهان رفض قوى داخلية ضاغطة، ومؤثرة، للعودة الى اتفاق فيينا. من هنا كان الضجيج التكتيكي على الأرض للايحاء بأن أياً منهما لن يتخلى عن سياسة «العين الحمراء» حيال الآخر، مع أن لدى كل من الدولتين أسبابها لتكون العودة الى الاتفاق المدخل الى تطبيع العلاقات، تدريجاً، بينهما، وان كانت ازالة التداعيات السيكولوجية لسنوات التوتر أقرب ما تكون الى اذابة جبل الجليد على ضوء الشموع!

لا شك أن ادارة جو بايدن تنظر الى ايران كدولة محورية، ولا مناص من التفاهم، وحتى التعاون، معها لضبط المعادلات الاستراتيجية في المنطقة، بعدما كادت الادارة السابقة أن تدفع بها الى الجحيم، دون أن تأخذ بالاعتبار أن الوصول الى هذه الحال يعني السقوط التلقائي للمصالح الأميركية، وعلى المستويات كافة.

حتى أن هناك حكومات عربية كانت قد شرعت في اعادة النظر في سياساتها الاقليمية، ما لبثت أن التحقت بـ «أوركسترا الضجيج»، وان أتى ذلك كردة فعل على ما يحدث في اليمن، قبل أن تفاجأ تلك الحكومات بالبيت الأبيض يعلن الاعتراف بشرعية الحوثيين.

تجاذب تكتيكي لا أكثر ولا أقل. شيء ما قريب الى ما يحدث الآن حدث عشية التوقيع على الاتفاق النووي عام 2015. وراء الضوء اتصالات فائقة الحساسية، دون أن يكون الهاجس الوحيد، أو الهاجس الرئيسي، للأميركيين حيازة آيات الله القنبلة النووية. ما يقلقهم أن تتطور العلاقات الاستراتيجية بين بكين وطهران بالصورة التي تؤثر، على نحو خطير، في مسار الصراع المستقبلي، والحتمي، مع الصين.

ماذا اذا أخذ الايرانيون، وحلفاؤهم، بسياسة الأرض المحروقة في كل من سوريا والعراق؟ البنتاغون ينظر الى العرب كعالة باهظة التكلفة على الدور الأميركي. اعتمادهم فقط على اسرائيل. هنا المشكلة. ادارة بايدن، وكما يتضح من تعليقات كبار الباحثين، ليست مستعدة، في حال من الأحوال، للتماهي الميكانيكي مع الهيستيريا الاسرائيلية بوجهيها الايديولوجي والاستراتيجي.

صواريخ على حقل العمر النفطي في ريف دير الزور، وحيث توجد قاعدة أميركية. لا اصابات. رسالة بالنار الى من يعنيهم الأمر في واشنطن بأن الامتثال للضغوط الداخلية والخارجية، في ما يتعلق بالمسار التفاوضي، يعني جر ادارة بايدن الى مستنقع آخر لا بد أن ينتهي بزعزعة، وحتى بتدمير، الرؤية (أو الرؤى) الاستراتيجية للرجل.

انه المنطق المعقد، والمتعدد الأبعاد، لأي مفاوضات على ذلك المستوى من الدقة. في فيينا بدا وكأن هذه المفاوضات علقت، للتو، في عنق الزجاجة (لا في قعر الزجاجة). اذاً، صواريخ بقفازات حريرية، لكي يدرك من يضغطون للحيلولة دون العودة الى الاتفاق، ما هو البديل عن ذلك...

بطبيعة الحال، هناك في واشنطن، كما في طهران، من يسعى لتوظيف ما حدث أخيراً لتقويض المفاوضات، والحفاظ على الستاتيكو بما ينطوي عليه من احتمالات جهنمية. حتى أن أنطوني كوردسمان حذر من أن بقاء حالة الخواء الجيوسياسي، والجيوستراتيجي، في الشرق الأوسط ينذر بانفجار أبوكاليبتي لا يبقي ولا يذر.

هل يمكننا القول أن ليلة الصواريخ انما كانت بمثابة الموسيقى التصويرية للجولة السابعة من المفاوضات والتي يفترض أن تنتهي بالدخان الأبيض؟ مبدئياً، هذا هو اعتقادنا...