لم تعد اللوحة الداخلية تحمل في عمقها سوى خلاصة واحدة، وهي أن الإنقاذ لم يعد متاحاً وفي متناول اليد، وذلك من دون الأخذ في الاعتبار التوجّهات السياسية لكل الأفرقاء الداخليين، ذلك أن الأزمة انتقلت إلى مكان آخر وواقع مختلف عنوانه، توسّع رقعة الأزمة واستمرار تحلّل المؤسّسات، ولكن من دون الوصول إلى زعزعة الكيان اللبناني أو تهديد وحدة اللبنانيين الذين يلتقون على الدرب نفسها في المعاناة اليومية ويواجهون أصداء الارتطام الكارثي الذي تحذّر منه كل الأطراف على مختلف انتماءاتها.

وفي هذا السياق، وبصرف النظر عما يحكى عن اتصالات تجري في اللحظة الأخيرة قبل اتخاذ رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري قراره بالاعتذار أو عدمه، وبالتالي، التوجّه بتكرار المحاولة والذهاب نحو مشاورات جديدة من أجل تدوير زوايا العقد المانعة للتأليف، فإن أوساطاً نيابية مطّلعة، ترى أن هذه المحاولة تبدو صعبة الحصول، ذلك أن ما يحصل من تعطيل وعرقلة وعقبات، لا يشير إلى أن التركيز جدي لدى كل الأطراف المعنية بالتأليف، لتخطّي العقبات التي حالت في الأشهر الماضية دون سلوك التأليف طريقاً سهلاً.

وإزاء مشهد الانهيار الذي يتسارع بشكل مريب، تؤكد الأوساط النيابية، أنه لم يعد من الممكن البقاء في موقف المتفرّج على هذا الانهيار، وهذا الواقع ينطبق على كل الأطراف السياسية التي تتحمّل كلها تبعات التأخير في ولادة الحكومة، ولو بشكل متفاوت في المسؤولية، وخصوصاً أن اهتمامات اللبنانيين ، لم تعد تقتصر على تأييد خيارات سياسية يتّخذها قياديوه إلى أي صف أو طائفة انتموا، بل تتركّز على تأمين الدواء والخبز قبل أي شيء آخر، قبل المحروقات وقبل الكهرباء كما قبل الغذاء.

ومن هنا، فإن ترقّب أي جديد على المستوى الحكومي، لم يعد يفي بتطلّعات الشارع الذي يعتبر، وكما تقرّ الأوساط النيابية نفسها، بأن الإصلاح قد بات شبه مستحيل، في ظل التراجع الخطر على كل المستويات المالية والإقتصادية، وذلك في ضوء الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار في الساعات ال48 الماضية، والذي ينذر بفترة صعبة لا تزال أمام اللبنانيين العالقين في سياراتهم في زحمة الطوابير أمام محطات المحروقات.

وتقول هذه الأوساط، إن مسار التأليف أو الاعتذار من قبل الرئيس المكلّف، ما زال ضبابياً، ذلك أن الأجواء المؤيّدة للتأليف تتجاوز الأجواء الداعمة للاعتذار، ممّا يجعل من القرار النهائي في هذا الخصوص، غير ناضج بعد، وذلك على الاقل في المدى النظور أي خلال الأيام العشرة المقبلة، وذلك بانتظار بلورة كل المعطيات في المشهد الحكومي عندما يأتي أوان الاعتذار من قبل الرئيس المكلف الذي يضعه على الطاولة منذ الدقيقة الأولى لتكليفه بهذه المهمة، والتي كان بادر إلى الاضطلاع بها بنفسه قبل أن يتحوّل التكليف إلى قرار نيابي وإلى توجه تدعمه غالبية الأطراف السياسية والحزبية وما زالت إلى اليوم، خصوصاً في ظلّ الخشية من الانزلاق نحو المجهول، وذلك بانتظار حلول الاستحقاقات الانتخابية في العام المقبل.