ليس من رؤية سياسية جديدة لفرنسا في لبنان رغم عدم تطبيق القادة السياسيين للمبادرة الفرنسية التي وافقوا عليها وتعهّدوا للرئيس إيمانويل ماكرون في قصر الصنوبر، الإلتزام بها، خلال زيارته الثانية للبنان في الأول من أيلول الماضي. غير أنّ ثمّة تحذير فرنسي أخير للمسؤولين اللبنانيين بضرروة الإسراع في تشكيل الحكومة ووقف «التعطيل»، قبل اتخاذ الإتحاد الأوروبي قرار فرض العقوبات على عدد منهم، قبل نهاية شهر تمّوز الجاري. يُضاف اليه تحرّك ديبلوماسي باتجاه لبنان إمّا تحضيراً للمؤتمر الدولي الثالث لدعم لبنان الذي يُعقد في باريس إلكترونياً في 20 الجاري، وإمّا للتأكيد على استمرار وقوف فرنسا الى جانب الشعب اللبناني.

أوساط ديبلوماسية مطّلعة أكّدت أنّ مستشار الرئيس الفرنسي للشأن اللبناني باتريك دوريل الذي يزور بيروت حالياً يحمل في جعبته ورقة الضغط الأخيرة على المسؤولين اللبنانيين للإسراع في تشكيل الحكومة قبل أن يقوم الإتحاد الأوروبي بفرض العقوبات على كلّ من يجده «معطّلاً» للتأليف، وقبل حدوث انفجار أمني ضخم، يخشى منه البعض، إذ يصعب بعده على لبنان أن يقف مجدّداً على قدميه. كما ســيُكرّر موقف الرئيس ماكرون حول ضرورة تأليف حكومة إنقاذية قادرة على تحقيق الإصلاحات المطلوبة من الداخل والخارج، من دون أن يكون لفرنسا أي انحياز للرئيس المكلّف سعد الحريري بترؤسها، أو لأي شخصية سنيّة أخرى في حال قرّر تقديم اعتذاره عن التكليف.

وعن قيام دوريل بالكشف عن أسماء السياسيين الذين ستطالهم العقوبات الأوروبية، أشارت الاوساط الى أنّ الإتحاد الأوروبي سيقوم في غضون أسبوعين بوضع آلية نظام العقوبات الذي سيُتخذ قبل حلول الذكرى الأولى لانفجار مرفأ بيروت الذي فاقم الأزمة الإقتصادية في لبنان سوءاً. وبعد التوافق على هذه الآلية سيكون لكلّ حادث حديث. وفيما يتعلّق بالأسماء فلا أحد يدري حتى الساعة، إذا ما كان دوريل سيتحدّث خلال لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين عن الأسماء الواردة على لائحة العقوبات الأوروبية أم لا. غير أنّ بعض الشخصيات، بحسب المعلومات، تعرف نفسها خصوصاً وأنّ تحذيرات عدّة سبق وأن وصلتها على لسان موفدين أوروبيين بهدف تغيير أدائها السياسي القائم على تعطيل وعرقلة ولادة الحكومة، لكنّها لم تفعل.

وتقول الأوساط نفسها بأنّ دوريل لا يأتي لتقديم أي حلّ أو مخرج جديد للسياسيين الذين لم يُقرّروا بعد مساعدة أنفسهم ليستحقّوا مساعدة دول الخارج لهم، إذ لم يعد لدى فرنسا أي اقتراحات جديدة فيما يتعلّق بتشكيل الحكومة بعد أن جعلت المبادرة الفرنسية «تتأقلم» مع الظروف والمتطلّبات اللبنانية الداخلية من دون الوصول الى أي نتيجة ملموسة. غير أنّه سيضغط على السياسيين للتقدّم في تشكيل الحكومة وإجراء الإصلاحات المطلوبة قبل فوات الأوان.

والمهم بالنسبة لفرنسا اليوم، على ما أضافت الاوساط، أن تولد الحكومة الموعودة منذ 11 شهراً، لكي يُصبح بإمكان المجتمع الدولي التعاطي والتنسيق معها لحصول لبنان على مساعدات وقروض مؤتمر «سيدر» التي باتت حالياً تُشكّل الأمل الأخير لتحسين الوضع الإقتصادي المتردّي فيه. علماً بأنّ التنقيب عن الغاز والنفط في المنطقة الإقتصادية الخالصة التابعة للبنان، من شأنها في مرحلة لاحقة أن تُنقذ البلد من جميع ديونه، في حال لم تتمكّن الأطماع الداخلية والخارجية من وضع يدها على هذه الثروة النفطية.

وبرأي الاوساط إنّ فرنسا التي لم تتمكّن بمفردها من الضغط على المسؤولين اللبنانيين طوال الأشهر الماضية رغم كلّ المحاولات التي قامت بها والتسهيلات التي قدّمتها، لتنفيذ المبادرة الفرنسية التي فشّلوها وجعلوها تحتضر كونهم أعطوا ولا يزالون الأولوية لمصالحهم الفردية على حساب مصلحة الوطن، فلجأت الى الإتحاد الأوروبي. فالدول الأوروبية مجتمعة بإمكانها الضغط أكثر، من دولة أوروبية واحدة، وإن كانت بحجم فرنسا ولها صداقات وعلاقات تاريخية مع بعض العائلات السياسية في لبنان، فضلاً عن مؤيّدين ومناصرين قدامى لها في البلد.

أمّا الإندفاعة الفرنسية باتجاه لبنان عن طريق إرسال موفدين لها، مثل الوزير المفوّض لدى وزارة الخارجية المكلّف بالتجارة الخارجية فرانك ريستير، ومنسّق المساعدات الدولية من أجل لبنان السفير بيار دوكان، فهي، على ما أوضحت الأوساط عينها، لتأكيد وقوف فرنسا الى جانب الشعب اللبناني، وليس الى جانب السياسيين. ففرنسا باتت بعد انفجار مرفأ بيروت وزيارتي الرئيس ماكرون للبنان اللتين تلته، أكثر تيقّناً من أنّ الجمعيات غير الحكومية بإمكانها إيصال المساعدات الإنسانية للشعب اللبناني أكثر من المسؤولين الذين يعيثون فساداً ويقومون بسرقة أموال الشعب.

أمّا لماذا شملت زيارات الموفدين السياسيين، فبهدف وضعهم في إطار مواصلة الرئيس ماكرون جهوده لمساعدة لبنان على الخروج من أزمته، ولمعرفة الإحتياجات الفعلية للشعب، على ما أجابت، ولمشاركة المعنيين منهم في مؤتمر الدعم الثالث الذي تستضيفه باريس إفتراضياً لدعم لبنان، ويترأسه الرئيس ماكرون، على غرار ما حصل في المؤتمرين السابقين لدعم لبنان. فأولوية فرنسا اليوم هي الإهتمام بالشعب اللبناني الذي يُعاني كثيراً من الأزمة الإقتصادية والمالية والمعيشية بفعل الجمود السياسي الذي يجعلها تتفاقم أكثر فأكثر. وتنوي فرنسا، إستضافة المؤتمر الدولي الثالث لدعم لبنان بهدف تأمين المساعدات التي يحتاجها هذا الشعب في مواجهة كلّ التحديّات التي تفرضها عليه الأزمة الإقتصادية الخانقة، بعد رفع الدعم عن المحروقات والسلع الغذائية وفقدان الأدوية وحليب الأطفال وما الى ذلك.

كذلك تولي فرنسا، ودول الإتحاد الأوروبي، على ما لفتت الاوسط، الأهمية المطلقة لإجراء الإنتخابات النيابية المقبلة في موعدها، أي في ربيع العام المقبل. ولهذا زارت الرئيسة السابقة لبعثة الاتحاد الأوروبي إيلينا فالنسيانو لبنان، والتي كانت تولّت مراقبة الإنتخابات النيابية في العام 2018، مبدية لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون استعداد الإتحاد الأوروبي تكرار تجربة مراقبة الإنتخابات في العام المقبل بهدف تأمين إنتخابات نزيهة وشفّافة توصل الممثلين الفعليين للشعب الى الندوة البرلمانية. فما يهمّ الإتحاد الأوروبي ألّا يُصار الى تأخير هذه الإنتخابات أو تأجيلها خصوصاً وأنّ المجلس النيابي الجديد من شأنه أن يُحدث التغيير المطلوب وهو الذي سينتخب رئيس الجمهورية المقبل للبلاد.