اعتذر سعد الحريري عن تشكيل الحكومة وحلّق الدولار الأميركي ليصل الى عتبة الـ 23 ألف ليرة لبنانية، ودخل لبنان في عطلة لثلاثة أيّام بمناسبة عيد الأضحى. غير أنّ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وبالتنسيق مع رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي حدّد موعد الإستشارات النيابية المُلزمة يوم الإثنين المقبل، من دون أن يكون هناك أي اتفاق على إسم الرئيس البديل عن الحريري المكلّف، ولا عن حسّان دياب المستقيل. وتُصرّ بعبدا على عدم تأجيل موعد الإستشارات الا إذا دعت إحدى الكتل النيابية لذلك لسبب ما. فهل ستتفق الكتل النيابية خلال هذا الأسبوع على رئيس الحكومة المقبل، أم ستدخل البلاد مرحلة الفراغ أو الشلل الحكومي أكثر من الجمود الحاصل حالياً في حال لم تتفق، سيما وأنّ لبنان يعيش في ظلّ حكومة تصريف الأعمال التي نفض رئيسها يده حتى من الإهتمام بشؤون البلاد والعباد التي تدخل «ضمن الإطار الضيّق للأعمال»، على ما ينصّ الدستور؟ وهل من خلاص قريب للشعب اللبناني الذي فُقّر وجُوّع وأصبح عاطلاً عن العمل بنسبة 40 % أو يعمل يقبض بالليرة اللبنانية على الـ 1500 ل.ل. لسعر الدولار «الرسمي» الذي لا يزال بهذه القيمة سوى على الورق، فيما تُحتسب كلّ الأمور الأخرى خارج إطار الرواتب على سعر الدولار الأميركي في السوق السوداء الذي يختلف من ساعة الى أخرى؟!

مصادر سياسية عليمة تحدّثت عن أنّ أيّام عطلة عيد الأضحى الحالية والويك - اند الذي يليها تُشكّل فرصة أمام الكتل النيابية والأحزاب السياسية التي تودّ المشاركة في الحكومة الجديدة للمزيد من الإتصالات واللقاءات والتشاور. ورأت بأنّ الدعوة للإستشارات النيابية المُلزمة من قبل الرئيس عون بالتنسيق مع الرئيس برّي، وعدم التريّث للتوافق على إسم الرئيس المكلّف الجديد، على غرار ما حصل في المرّة السابقة، أتت لكي لا يتمّ اتهام هذا الفريق بتعطيل تشكيل الحكومة. فلتحصل الإستشارات وليأتِ من تقوم الكتل النيابية بتسميته سيما وأنّ ليس من اتفاق حتى الآن بينها على إسم واحد، ولأنّ من ينال غالبية الأصوات سيتمّ تكليفه بالتشكيل.

وذكرت المصادر بأنّ أسماء سنيّة عدّة مطروحة منها إسم رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي، وإن كانت مصادر مقرّبة من «تيّار المستقبل» قد أكّدت بأنّ أيّاً من نادي رؤساء الحكومات لن يُوافق على ترؤس الحكومة المقبلة، فضلاً عن إسم النائب فيصل كرامي رغم تأكيد أوساطه ايضاً أنّه لا يسعَ الى هذا المنصب، والقاضي في محكمة العدل الدولية في لاهاي الذي شغل منصب سفير ومندوب لبنان الدائم في الأمم المتحدة في نيويورك بين عامي 2007 و2017 نوّاف سلام الذي جرت تسميته في الإستشارات النيابية السابقة من قبل بعض الكتل، والذي لا مشكلة لديه في حال فاز بمهمّة التكليف. كذلك فإنّ أي إسم سنّي آخر يتمّ التوافق عليه ويقبل بأن يجري تكليفه بهذه المهمّة، قد يبرز على الساحة السياسية على غرار إسمي دياب والسفير مصطفى أديب، من خلال ترؤس الحكومة الجديدة وإن لم يكن لديه تجارب سابقة في هذا الإطار.

وعمّا إذا كان اعتذار الحريري عن تشكيل الحكومة قد حلّ مسألة العقد التي كانت تحول دون ولادة الحكومة، أشارت المصادر عينها الى أنّ أي مرشّح سنّي جديد لتأليف الحكومة، عليه اجتياز العقد نفسها في حال التزم بالتوجّه نفسه الذي أصرّ عليه الحريري، أي حكومة من الإختصاصيين المستقلّين غير الحزبيين و»المسمّين» من الأحزاب السياسية. أمّا إذا جرى التوافق على نوع آخر من الحكومات، كحكومة الإنتخابات، أو حكومة الوحدة الوطنية فإنّ العراقيل أمام ولادتها ستكون مختلفة.

وقالت المصادر بأنّها تخشى في حال استمرّ تعطيل تشكيل الحكومة، حتى مع حصول التكليف الجديد لشخصية سنيّة غير الحريري، من بروز صراع جديد في البلد سنّي - مسيحي على الصلاحيات والحقوق وأمور أخرى تُعيق التأليف لأشهر عدّة بعد أي حتى الخريف المقبل. على أنّ مثل هذا الصراع تتمّ تغذيته من الخارج لغاية في نفس يعقوب، ولعدم جعل الأمور تسير في لبنان على ما يُرام ولمصلحة الوطن والمواطنين.

وعن إمكانية خلاص الشعب اللبناني قريباً من الأزمة الإقتصادية والمالية والمعيشية الخانقة التي يتخبّط بها، رأت المصادر بأنّ تشكيل الحكومة سريعاً من شأنه إعادة ثقة المجتمع الدولي بلبنان، فضلاً عن أنّ الحكومة ستتمكّن عندها من عقد الإتفاقيات مع صندوق النقد الدولي وسواه لتحسين الوضع الإقتصادي. كذلك فإنّ سعر تثبيت الليرة يُصبح من الأساسيات لكي تتمكّن الحكومة من إنجاز بعض الإصلاحات المطلوبة، وإن كانت ستُعنى بإجراء الإنتخابات النيابية. فالتحضير من قبل الحكومة لا يتطلّب الكثير، وهو منوط بشكل خاص بوزير الداخلية والبلديات، ما يُفسح في المجال أمام الحكومة ككلّ بالعمل على حلحلة بعض المشاكل التي باتت تُرهق كاهل المواطن ويكاد يختنق في حال استمرارها لوقت أطول بعد.

وبرأي المصادر، إنّ مناداة دول الخارج على لسان وزراء خارجيتها، لا سيما أميركا أنطوني بلينكن، وفرنسا جان إيف لودريان، بضرورة إجراء الإنتخابات النيابية في موعدها، وإرسال وفد أميركي الى لبنان خلال عطلة الأضحى للعمل في الإطار نفسه، تؤكّد على أنّ العنوان العريض للمرحلة المقبلة في لبنان هو «الإنتخابات النيابية في موعدها»، أي في الربيع المقبل (2022). ومن هنا، ستسعى دول الخارج المذكورة وشركاؤها الى عدم تأجيلها أو إرجاء موعدها، ما يجعلها تُطالب السياسيين اللبنانيين منذ الآن بضمانات حصولها في موعدها خصوصاً وأنّها تعوّل على إحداث التغيير المطلوب في صناديق الإقتراع. ولا أحد إذا ما كان بإمكانها الحصول على هذه الضمانات منذ الآن، وإن كانت الأحزاب السياسية تؤكّد على جهوزيتها وعلى أنّها لا تريد تأجيل هذه الإنتخابات بل على العكس، بهدف عودتها الى المجلس النيابي. علماً بأنّ القانون الحالي سيُتيح بانتخاب 8 نوّاب من دول الإنتشار، وتعوّل الأحزاب كثيراً على انتخاب اللبنانيين المغتربين للحفاظ على أحجامها. علماً بأنّ انتخابات نقابة المهندسين التي جرت أخيراً دلّت على تبدّل المزاج اللبناني، وعلى خسارة الأحزاب فيها لصالح «النقابة تنتفض» اي لصالح المستقلّين، وهذا الأمر ربما ينطبق على الإنتخابات النيابية المقبلة.

وبناء عليه، ستبدأ دول الخارج بخوض الإنتخابات الى جانب الأحزاب السياسية،على حد قول المصادر، من خلال دعم كلّ منها لهذه المجموعة أو الأخرى، بهدف حصول المرشّحين المستقلّين على نسبة أكثر من 20 % من عدد النوّاب التي تعوّل عليها لإحداث التغيير من داخل البرلمان. كما ستُشدّد على ضرورة أن تحصل بكلّ شفافية ومصداقية ومن خلال مراقبة خبراء دوليين وأوروبيين، على غرار ما جرى في الدورة السابقة (2018) بهدف وصول الممثلين الفعليين عن الشعب الى مجلس النوّاب الجديد الذي من شأنه انتخاب رئيس الجمهورية الجديد في تشرين من العام المقبل.