الوضع الاقتصادي والإجتماعي أخطر ممّا نراه فعلياً... فما هي الإمكانيات المطروحة؟
ما بين الإنهيار الاقتصادي وانهيار الدولة... إتصال وانفصال... فارتطام
حظوظ ميقاتي بالتكليف عالية... وهذا ما يُمكن أي يحصل على الصعيد الإقتصادي

الإنهيار... كلمة نسمعها كل يوم، وبات كل مواطن لبناني يراها من منظاره بل يعيشها بطريقته. فالبعض يرى الإنهيار في غياب أبسط مقومات الحياة من الحصول على المواد الغذائية وصولا إلى المحروقات ومرورًا بالأدوية، والبعض الأخر يرى الإنهيار في غياب السلطة التنفيذية وعجزها عن القيام بمهامها الموكلة إليها بحسب الدستور. وهناك أيضًا من يرى في الإنهيار غياب شرعية السلطة سواء داخليًا أم خارجيًا. على كل الأحوال هناك عدة زوايا يُمكن من خلالها رؤية الإنهيار: سياسية، إقتصادية، مالية، نقدية، إجتماعية. ما سنتناوله في هذا المقال هو الإنهيار من وجهات النظر الإقتصادية والمالية والنقدية.

دور السياسات الاقتصادية في زمن الأزمات

السياسة الإقتصادية للحكومات لها شقان، السياسة المالية والسياسة النقدية:

السياسة المالية تُعنى بكل الأمور الإقتصادية، ومالية الدولة، والشؤون الإجتماعية للمواطن. وبالتالي من مسؤولياتها القيام بإجراءات تضّمن الأمن الاجتماعي والغذائي للمواطن وكل ما يضمن له عيشة كريمة عملا بشرعة حقوق الإنسان، وكفاية حاجات المواطن كما ينصّ عليها هرم أبراهام ماسلو والتي تمّ تعليبها فيما يُسمّى بـ “الإنماء المستدام”. وبحسب الدساتير في العالم أجمع، تتولى الحكومات مسؤولية السياسة المالية ولها بين أيديها أداة رئيسية هي الموازنة والتي تُعتبر أهم قانون يُصوت عليه المجلس النيابي سنويًا. فهذه الأداة تحوي على ترجمة الخطّة الإقتصادية للحكومة وترصد لها الإعتمادات اللازمة لتطبيقها بما يضمن أمن المواطن الاجتماعي والغذائي.

إن أهمية إقامة السياسات التي تحترم المواطن وتضع مصلحته فوق أي إعتبار أخر والحاجة الفعلية إليها دفع بالأمم المتحدة إلى وضع أهداف التنمية المستدامة (SDGs) وتضمينها سبعة عشر هدفًا هي: القضاء على الفقر، القضاء التام على الجوع، الصحة الجيدة والرفاه، التعليم الجيد، المساواة بين الجنسين، المياه النظيفة والنظافة الصحية، طاقة نظيفة وبأسعار معقولة، العمل اللائق ونمو الاقتصاد، الصناعة والابتكار والبنية التحتية، الحد من أوجه عدم المساواة، مدن ومجتمعات محلية مستدامة، الإستهلاك والإنتاج المسؤولان، العمل المناخي، الحياة تحت الماء، الحياة في البرّ، السلام والعدالة والمؤسسات القوية، عقد الشراكة لتحقيق الأهداف.

وتمّ وضع هذه الأهداف ضمن خطّة التنمية المستدامة لعام 2030 وأقرت في الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام أيلول 2015، ومن ثم تمّ الطلب إلى الحكومات العمل على وضع إستراتيجيات وطنية للوصول إلى الأهداف المنشودة.

أما السياسة النقدية فهي تُعنى بأهداف مُحدّدة في القوانين المرعية الإجراء. فمثًلا في لبنان حددّت المادة 70 من قانون النقد والتسليف مهام المصرف المركزي بأربع نقاط: الحفاظ على الإستقرار النقدي، مُساندة الحكومة في سياستها الإقتصادية، الحفاظ على القطاع المصرفي، وتطوير الأسواق المالية. وتأتي إستقلالية المصارف المركزية عامة لمنع السياسات الحكومية من إستغلال المواطن عبر عمليات طبع العملة لتبرير فشل هذه السياسات وبالتالي وضع ضرائب خفية على المواطن وهو ما يُعارض مبدأ الديموقراطية.

من وجهة نظرتنا العلمية البحتة، الإنهيار يعني تدهور الأهداف السبعة عشر التي نصّت عليها وثيقة الأمم المتحدة. هذه الأهداف تبقى من مسؤولية الحكومات أي السياسة الإقتصادية للدولة في الدرجة الأولى وليست من مسؤولية السياسة النقدية المحدودة الصلاحيات بحسب القانون. فتأمين المواد الغذائية للمواطن يبقى من مسؤولية الحكومة، وتأمين الأدوية هو من مسؤولية الحكومة، وتأمين الكهرباء – عصب الإقتصاد – من مسؤولية الحكومة... أي أن حصرية القرارات الإقتصادية، والمالية والإجتماعية والبيئية كانت وستبقى من مهام الحكومة.

ما يحصل في لبنان هو نتاج السياسة المالية التي إتبعتها الحكومات المتعاقبة. وهذا التعميم في المسؤولية نابع من مبدأ أن الشراكة في وضع السياسات وإقرارها هي مسؤولية جماعية تولتها كل حكومات ما بعد إتفاق الطائف. لكن ما يُرعب أكثر في هذا المشهد أن التردّي الحاصل في المؤشرات (فقر، جوع، صحة...) هو تردٍ سريع جدًا وهو ما يُرجّح أن الإنهيار بدأ، ونحن بتنا نُشاهد تسلسل هذا الإنهيار ونحصد النتائج التي صارت تكبر ككرة الثلج. والمخاوف تطال مستوى هذه المؤشرات مع إحتمال إنقطاع شبه كامل لوسائل التواصل الحديثة (إنترنت وتلفون) وهو ما قد يؤدّي إلى خسائر عشرات الألوف من الوظائف، كما وإنقطاع المياه والكهرباء والمواد الغذائية الأساسية وهو ما سيمنع المواطن حتى من إستخدام “المرحاض” لديه لقضاء حاجته!! والأصعب هو التطور السلبي لمتحور دلتا السريع الإنتشار والذي قد يُعيد لبنان إلى مرحلة الإقفال والتي، إذا ما حصلت، ستُشكّل الضربة القاضية على الإقتصاد المشلول وعلى القطاع الصحي المنهار أصلا.

المشكلة التي نواجهها هي غياب التقييم الدقيق من قبل المسؤولين وخصوصًا خطورة ما قد نصل إليه في الأسابيع والأشهر القادمة. الحسابات السياسية لا تزال تُسيّطر على تشكيل الحكومة وهذا أمر لا نعلم متى سيتوقّف، وبالتالي وفي ظل غياب أفق واضح لتشكيل حكومة وإستفحال الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية، ما الحلول المطروحة على هذا الصعيد؟

عمليًا الحلول الإقتصادية والمالية كلها في يد الحكومة غير الموجودة حاليًا. فأي مُساعدة من الخارج مرهونة بحكومة قادرة على القيام بإصلاحات، والمساعدات التي ستأتي من الخارج ستكون كلها مشروطة بهذه الحكومة وببرنامجها. والصراع القائم اليوم بإعتقادنا يتمحور حول برنامج الحكومة القادمة أكثر منه على الشخص (سواء كان رئيس حكومة أو وزيراً) ومدى إستعداد الحكومة لإعتماد البرامج المطروحة (الغرب أو الشرق).

إستحالة بقاء الوضع على ما عليه

إذًا وفي ظل التعقيدات الآنفة الذكر، لا يُمكن إستمرار الوضع على ما هو عليه. وهنا نطرح السؤال عن الإمكانيات التي أعطاها الدستور لفخامة رئيس الجمهورية في حالة مُماثلة. ألا يحق لرئيس الجمهورية، وهو رأس الدولة وحامي الدستور، إعلان حالة طوارئ شاملة؟ ألا يُمكن له توكيل الجيش مُهمة مُحاربة الإحتكار والتهريب في ظل عجز مؤسسات الدولة عن القيام بهذا الأمر؟ هذه الأسئلة لا يُمكن الإجابة عليها إلا من قبل قانونيين يتمتعون بمهارة قراءة الدستور والقوانين المرعية الإجراء وتفسيرها بما يخدم مصلحة المواطن قبل كل شيء، وليس بما يخدم مصالح قوى سياسية ينتمون إليها.

إن الناظر إلى الوضع الراهن يرى إنشغال أطراف السلطة كل بترميم أركان بيته وتسنيد ما تصدع من البيت الداخلي بغية مواجهة الإستحقاق الإنتخابي القادم. الأهم عند هؤلاء هو المحافظة على المكتسبات والبدء بنسج التحالفات الداخلية منها والخارجية، ولا بأس على المواطن أن يتحمل بضعة أسابيع أو أشهر قليلة هذه المحن، فكل شيء سيتغير بعد الانتخابات! ففي قاموس الحرب لا مانع من الخسائر الجانبية (Collateral damages) وهي ضرورية للوصول إلى الهدف الأسمى. فمن هو الفائز بعد ضياع آمال شعب وتهجير الأدمغة الواعدة وترسيخ ثقافة الإحتكار والتضحية بالمصالح العليا للوطن مقابل الحفاظ على حقوق الفئات الحاكمة؟

لبنان مقبل على مرحلة صعبة جدًا وهناك إلزامية إيجاد حلول، أسهلها وأسرعها من الناحية الاقتصادية تشكيل حكومة قادرة على القيام بالإصلاحات المطلوبة، وأمرّها حالة طوارئ شاملة تسمح بمنع الأوضاع من التردي إلى مستويات قد تكون كارثية للمواطن اللبناني الذي ينتظره الأمرّين في حال إستمرار الوضع على ما هو عليه وفي ظل الصراع القائم على السلطة والذي يُعطل جميع الحلول وأولها تشكيل الحكومة. فأي خيار سينقذ ما تبقى من أشلاء الوطن؟

الفرصة الأخيرة

الواقع الاقتصادي والمعيشي يفرض على القوى السياسية إيجاد حلّ أقلّه – منطقيًا – من أجل تأمين إستمراريتها في السلطة. هذا الأمر يضعها أمام إمتحان جديد (وربما الأخير؟!) نهار الإثنين القادم مع إنطلاق الإستشارات النيابية وتكليف رئيس حكومة جديدة. فهل تنجح في هذه المهمّة وتسهل تشكيل حكومة جديدة كي لا يُصبح التكليف كسابقه؟

لن نخوض في السيناريوهات السياسية (خارج إطار هذا المقال)، بل سنطرح بعض السيناريوهات من وجهة نظر إقتصادية:

السيناريو الأول هو سيناريو تفاؤلي وينصّ على التكليف وتسهيل التأليف في فترة قصيرة نسبيًا. وهذا إن حصل سيضّفي جواً إيجابياً قد يُعيد فتح نافذة في الأفق المسدود سياسيًا وإقتصاديًا. وبالتالي في حال تشكيل الحكومة، سيكون أمامها العديد من الوسائل المتاحة التي تضمّن إعادة إستقرار الإقتصاد وتُعقّلن سعر صرف الدولار مُقابل الليرة اللبنانية مع الوعود الدولية بمساعدات مالية تواكب العملية الإصلاحية.

السيناريو الثاني هو سيناريو تشاؤمي وينص على تأخير تكليف رئيس جديد للحكومة و/أو تعقيد التشكيل مما يُعيدنا إلى سيناريو الرئيس سعد الحريري. وهذا إن حصل سيكون له عواقب وخيمة على الواقع الاجتماعي والإقتصادي والنقدي حيث سيستمر مسلسل ضرب الليرة اللبنانية بالصميم وتالياً ستتراجع بشكل كبير أمام دولار لم يعد يخدم السوق المحلي فقط!

السيناريو الثالث هو سيناريو حكومة حسان دياب 2 وستكون حكومة إنتخابات بالدرجة الأولى نظرًا إلى عدم قدرتها على إتخاذ أي قرار إقتصادي بغياب رضا غربي.

السيناريو الرابع هو حكومة مواجهة حيث يتم تكليف رئيس لتشكيل حكومة بناءً على تعهده بالتوجّه شرقًا أي بمعنى أخر فتح الأبواب للإستثمارات الصينية، الروسية والإيرانية. وفي هذه الحالة ستكون المواجهة مع الغرب مُحتدمة وهو ما قد يلقي بمصير الدولة في المجهول على الصُعُد الإقتصادية والإجتماعية.

المعلومات المتوافرة في الأروقة السياسية تُرجّح تكليف الرئيس نجيب ميقاتي لتشكيل حكومة جديدة، مع ضمانة التسهيل في التشكيل وهو ما يأخذنا إلى السيناريو الأول. وفي هذه الحالة سنشهد حكمًا تراجعًا في سعر صرف الدولار مُقابل الليرة اللبنانية في السوق السوداء إلى مستويات ستوجع المضاربين على الليرة. أضف إلى ذلك أن إتخاذ الحكومة العتيدة لقرار مكافحة الإحتكار والتهريب، إذا ما تم كما يجب، سيكون له مفعول إضافي على إنخفاض الدولار مُقابل الليرة وهو ما سيكون مؤشراً على بدء الخروج من الأزمة الذي لن يكتمل إلا بتنفيذ الإصلاحات المطلوبة. أضف إلى ذلك أن ضخ الأموال (من قبل صندوق النقد والمساعدات الدولية الأخرى) في القطاع المصرفي سيؤدّي إلى بدء الإستثمارات في لبنان خصوصًا أن شخص الرئيس ميقاتي يريح الأسواق من ناحية علاقته الدولية، ومن ناحية عدم المسّ بالأسس الليبيرالية والمبادرة الفردية التي تضّمن إستمرار توافد رؤوس الأموال مع وجود فرص إقتصادية كبيرة في لبنان. وإذا ما تمّ تطبيق التعميم 158 الصادر عن مصرف لبنان بطريقة جيدة، فإن التوقعات هي بعودة سريعة للثقة بالقطاع المصرفي من قبل المواطنين.

بمعنى أخر، التسلسل المنطقي للأمور هو واحد في حالات الهبوط والنزول، وأعني بذلك أن تطبيق مقترحات الصندوق الدولي من توقيف التهريب الداخلي والخارجي، وإخضاع جميع الحركات الاقتصادية إلى الدائرة الاقتصادية والنظام الإقتصادي المنتظم ستكون له آثاره على الأرض، بدءاً من توقف حركة الهبوط ومن ثم الدخول في مرحلة الإستقرار وإن كان على مستويات عالية، ليبدأ بعد ذلك تسلسل الأمور التي تؤدي إلى الصعود المنطقي لليرة اللبنانية وذلك من خلال العمل أولا على نشر الثقة التي توقف المسار الإنحداري وتؤسس إلى إعادة هيكلة القطاعات كافة مما يريح الأسواق ويطلق رحلة التعافي المنتظرة.

هذا المسار سلسلة متكاملة لا بد من العمل فيها على جميع المستويات إذا ما أراد أهل الحل والعقد الخروج من النفق المظلم.