ازمة فقدان الدواء في طرابلس، تعتبر اخطر الازمات التي يواجهها المواطن. قد يتحمل المرء انقطاع الكهرباء، وفقدان مادتي البنزين والمازوت، لكن ان يفتقد الدواء، فهنا الطامة الكبرى خاصة لمن تتوقف حياتهم على حبة دواء.

مشهد المواطنين الذين يتنقلون بين الصيدليات بحد ذاته مؤلم. يحملون الوصفات الطبية، ويخرجون من الصيدليات بخيبات أمل خاصة لذوي الامراض المزمنة...

قضية فقدان الدواء في طرابلس لا تقف عند الحد، بل في الازمات تسقط الاقنعة، وتتكشف الوجوه، هكذا يقول والد طفل فقد الامل بالعثور على دواء لابنه، غير انه اتى من همس باذنه ناصحا اياه بالتوجه نحو احد رجال الدين في المدينة ويكفل له بالعثور على دوائه.

الغريق يتمسك بقشة... توجه الاب الى الشيخ الناشط في المدينة الذي سرعان ما اجرى اتصالا بأحد الصيادلة طالبا منه تأمين الدواء للوالد، وبالفعل اتجه الوالد نحو الصيدلية التي سبق له ان زارها اكثر من مرة وفي كل مرة كان الجواب: الدواء مفقود... فجأة عثر الوالد على دوائه، وحلّت مشكلته...

ما حصل مع هذا الوالد، يحصل يوميا مع كثير من العائلات التي تحتاج الى دواء ...فقد دخلت السياسة في قضية الدواء، وبات على المواطن الطرابلسي إما اللجوء الى احد النواب للتوسط لدى صيدلي ما، وإما اللجوء الى رجل دين او سياسي ما ...وعندها يحضر الدواء... ويبقى المواطن تحت رحمة السياسيين ورجال الدين، فيما الصيادلة يرمون بمسؤولية فقدان الدواء على المستوردين وشركات الادوية والمستودعات التي ترفض توزيع الادوية، وتواصل الاضراب غير مكترثين بالمرضى، بينما صيادلة آخرين يخفون مخزون الدواء لديهم ولا يسلمونه الا لزبائهم الخاصين جدا. وكأن الانسانية والرحمة قد خلت من نفوس البعض في هذه الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد، والاخطر هو غياب الرقابة والمحاسبة، وليس بمستطاع مسؤول او مرجع اداري اتخاذ اي اجراء بحق هؤلاء نظرا لدقة المرحلة وخطورتها.

ليست حالة الوالد المحتاج للدواء فردية، بل حصلت مع كثير من العائلات، واصبحت مكاتب بعض السياسيين والمشايخ مقصدا لكل محتاج الى دواء، ولهؤلاء السياسيين ورجال الدين «صيدلياتهم» التي يقدمون خلالها الخدمات للمواطنين، في تظهير للزبائنية السياسية و» تربيح منية» للمواطنين عبر خدمة الدواء. اما المواطن الذي لا سند له ولا مرجعية يتكىء عليها، فله رب العالمين، يشقى للعثور على دوائه، وكثيرون شكوا من فقدان الدواء، مما ادى الى تراجع صحة العديد من المرضى.