«الديار» تسأل الخبراء.... والجواب الشافي في «جيب» السياسيين

لا يخفى على أحد أن الأزمة النقدية في لبنان تتداخل مع المعضلة السياسية بشكل كبير وتتأثر بها إلى حد تكاد تتحرك معها في إيحاء لا يخفي افتعالاً من هنا أو ضغط من هناك.

بلغ إنهيار الليرة اللبنانية مقابل الدولار أعلى مستوياته إبان إعلان الرئيس سعد الحريري اعتذاره عن تشكيل الحكومة بدقائق قليلة وإستمر في التحليق إلى أن وصل ما فوق الأربع وعشرون ألف ليرة لبنانية مقابل الدولار الواحد في إنهيار لم تشهد البلاد مثيلا له من قبل.

كان لافتاً تصريح النائب عن «كتلة المستقبل» الدكتور محمد الحجار عن أنه فيما لو تم الإتفاق على الحكومة برئاسة سعد الحريري، لكان شهد الدولار إنخفاضاً ملحوظاً عازياً السبب إلى أن هناك العديد من الأطراف في ما أسماه «السوق المالي» في البلد وحتى خارجه تثق بالرئيس الحريري وبقدرته على لجم الإنهيار. فهل فعلاً تأرجح الدولار مرتبط بالإستقرار السياسي؟ وكيف يفسر الخبراء والمحللون ما جرى من تذبذب في سعر الصرف نهار تكليف الرئيس نجيب ميقاتي؟

الخبير الإقتصادي باتريك مارديني قال ل»الديار» أن تكليف ميقاتي الذي ترافق مع دعم دولي فرنسي - أمريكي - خليجي دفع بمن هم محتفظين بالدولار في منازلهم للحفاظ على القيمة الشرائية، دفع بهم إلى صرف العملة الصعبة مع اعتقادهم بنجاح ميقاتي بالتكليف مما سينعكس انخفاضا في سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار، وبالتالي ضخ الدولار في السوق هذا أدى إلى الإنخفاض الذي لحظه هذا السوق نهار التكليف، واعتبر أن ما حصل يمثل ولو بجزء بسيط إستعادة للثقة والتفاؤل في مستقبل البلاد، معتبراً أن التقلبات النفسية تعد قصيرة المدى ولا يعول عليها لإستعادة الثقة الكاملة كما التقلبات على المدى الطويل والتي تتمثل بصحة الإقتصاد اللبناني بالدرجة الأولى، وكمية ضخ العملة اللبنانية بالدرجة الثانية، وكمية الموجودات من الإحتياطي بالعملة الصعبة بالدرجة الثالثة.

وتوقع أن ما ينتظر لبنان في العام ٢٠٢١ هو المزيد من الإنهيار في الناتج المحلي ونمو سلبي مترافق مع غياب عوامل إقتصادية مشجعة مع المزيد من الطبع للعملة اللبنانية بسبب الفرق الكبير بين مطلوبات وموجودات المصارف من العملة الصعبة، لذلك فالدولار سوف يعاود الإرتفاع والليرة سوف تستمر بالإنهيار لأن طبع العملة سيتزامن مع المزيد من الطلب على الدولار في ظل تضاؤل لحجم الإحتياطي الإلزامي بهدف الدعم، وبالتالي ما تحكم في إنخفاض سعر الصرف نهار التكليف كان عامل سياسي نفسي مؤقت غير قادر على التغيير الجذري ان لم يأخذ بعين الإعتبار العمل على إصلاح كل ما سبق ذكره.

وفي سياق متصل، قال المستشار النقدي والمالي الدكتور غسان شماس ل»الديار» أن سوق المناخين الإقتصاد والسياسي ومقوماتهما لها العديد من التأثيرات على حركة سعر الصرف صعوداً أم نزولاً، ورأى أن الأسبوع السابق لتكليف ميقاتي إنطوى على الكثير من الضغوطات السياسية والمعيشية بشكل يبدو للناظر بغير بريء، كما واستغرب طارحاً علامات إستفهام على اليات العمل التي اعتمدها المصرف لناحية تأجيل فتح الاعتمادات لما بعد عيد الأضحى فيما يوحي بضغط إضافي على الضغط القائم أساساً وهو ما دفع بالمواطنين إلى الإبقاء على مدخراتهم من العملات الأجنبية وأدى إلى إنهيار كبير لسعر الصرف.

وإستبعد إحتمالية أن يكون العامل الإقتصادي هو الذي يقف خلف تراجع سعر الصرف نهار التكليف كونه يحتاج إلى وقت طويل ليؤثر به بشكل كبير كما حصل مؤخراً، وبالتالي ما أثر هو العامل السياسي والمناخ النقدي.

وفسر المناخ النقدي بأنه الجو الذي ساد في البلاد بعيد أسبوع عيد الأضحى عن حتمية التكليف، وأدى إلى إنفراج متزامناً مع الحديث عن حلحلة في موضوع فتح اعتمادات البواخر وبلوغ أخر أسبوع في الشهر قبيل إستحقاق دفع معاشات الموظفين الذي يستدعي المزيد من سحب الليرة اللبنانية من السوق الذي قام بالإستعاضة عنها بالدولار كون سوق النقد لا ينطوي على فراغ، كما لم ينف التأثير الإيجابي لتكليف ميقاتي ولحديثه عن ضمانات دولية عل تتنفس الناس الصعداء وتأملها خيراً، لتقوم بصرف المزيد من الدولارات المحتفظة بها من منطلق الشعور بالراحة على الصعيد النفسي.

طرح شماس سؤالاً عن سبب إرتفاع سعر صرف الدولار على منصة صيرفة وبلوغه ١٤٬٤٠٠ ليرة لبنانية للدولار الواحد على الرغم من تحديد هامش له من قبل الحاكم مسبقاً على سعر ١٢٬١٢٠ ليرة لبنانية لكل دولار، متحدثا عن قيام التجار بإستغلال الفارق النقدي في صرف ما يملكون من دولار في السوق الموازي والإستفادة من ميزة صيرفة في الدفع بالعملة اللبنانية بسعر صرف أدنى، وبالتالي تحقيق هامش من الأرباح نتج عنه طرح المزيد من الدولار في السوق.