«يا عدرا... قصفونا بصاروخ»

بهذه العبارة صرخت فور تفجير مرفأ بيروت

وبدأت سلسلة العذاب نركض من مستشفى الى مستشفى، والنزيف في الرأس واليد والاصبع لا يتوقف خصوصاً وانني آخذ دواء الاسبيرين المسيل للدم منذ عشرين سنة. الجرحى في الطرقات، وفي زوايا الطرقات. يومها علمت ان ما يصورونه في الافلام صحيح لا بل هم يقصرون في تصوير حالات القتل والجرح والهدم والدمار في كل مكان.

رأيت الموت امام عيني... نعم. وارتسمت صورة المحامي الحبيب سليمان سكاكيني امامي والذي توفي بعد ان «صفى» دمه. وارتسمت صورة عائلتي وكيف سيكملون حياتهم من بعدي... وكيف سيعيشون، وكيف سيتألمون على فراقي.

نعم... كلها صور ارتسمت امامي والنزيف القوي لا يتوقف. وبعد عدة ساعات، وافق إبن شقيقي الدكتور داني على ان اذهب الى مستشفى جبل لبنان بعد ان قال لي ان هناك آلاف القتلى والجرحى في كافة ارجاء المستشفى وفي الباحات الخارجية بعد ان دمرت عدة مستشفيات اخرى ولم تعد قادرة على استقبال الجرحى.

واثناء نزع «المحبس» من اصبعي الممزق غبت عن الوعي بسبب الوجع القوي. وبعد ان تلقيت عشرات الابر قبل تقطيب الراس. وفي صورة السكانر تبين وجود «كسر» في يدي وفي ادق منطقة «على الكوع» حيث اجريت لي عملية جراحية دقيقة جداً دامت خمس ساعات. ولا تزال الاوجاع والمعاناة كما هي حتى الساعة.

نعم... فجرت بيروت... ومن اجل ماذا؟. وبسبب ماذا؟ ومات مئات الضحايا واصيب آلاف الجرحى. منهم من فقد عينه، ومنهم من لا يزالون يعانون من عطل دائم ويجرون العمليات الجراحية الواحدة تلو الاخرى حتى تاريخه. والفاعلون والمشتركون والمقصرون والمستلشقون والمستهترون لا يزالون احراراً، وهم قد يعلمون او قد لا يعلمون انه اذا لم تطلهم عدالة الارض، فإن عدالة السماء سوف تطالهم.

والى بيروت الجريحة... بيروت الثكلى... سوف تعودين على الرغم من الطعنات التي تتلقينها. أنت الحب والجمال والاناقة والثقافة والعلم... ام الشرائع ومرضعة القوانين.

ستعودين المدينة التي لا تنام قبل ان تسلم الليل للنهار. ستقومين بفخر وشموخ متل طائر الفينيق وتنتعشين من جديد. وستبقين المدينة الاجمل في العالم. انت صاحبة الجمال الطبيعي، اما المدن الاخرى التي تنافسك فجمالها مصطنع.

أنت التي لا بديل عنك، ومهما طعنوك سوف تبقين المدينة التي تضج بالحياة.

والى اهل بيروت الآمنين الذين اصيبوا قتلاً وجرحاً وتدميراً. لا تيأسوا، ولا تقنطوا. نحن هنا. سوف نقف في وجه اهل الظلم والاستبداد والاستغلال والاستخفاف، ونحاسبهم ونلاحقهم حتى الرمق الاخير. لن نسامحهم على ما ارتكبت اياديهم في الرابع من آب 2020، اليوم المشؤوم في تاريخ لبنان.