تستمرّ المشاورات في الكواليس لتشكيل الحكومة الجديدة خلال هذا «الويك- أند»وحتى مطلع الأسبوع المقبل الذي سيشهد اللقاء التاسع بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلّف نجيب ميقاتي، في الوقت الذي تتجه فيه البلاد الى الإنفجار الكبير من خلال قرار رفع الدعم عن المحروقات. هذا القرار الذي من شأنه أن ينعكس ليس فقط على الإرتفاع الجنوني لسعر البنزين والمازوت، وإنّما أيضاً على أسعار جميع السلع والحاجيات بدءاً من ربطة الخبز. وإذ وصل الوضع الإقتصادي المتردّي الى مرحلة لم يعد باستطاعة الشعب اللبناني تحمّله، لا على صعيد غلاء المعيشة غير المسبوق، أو عدم تأمين الكهرباء في ظلّ موجة الحرّ التي يشهدها البلد، فإنّ أي من الحلول الناجعة لوقف الإنهيار لن يتمّ تقديمها حتى الآن، لا من الحكومة المستقيلة، ولا من سائر المسؤولين المعنيين، بما فيها البطاقة التمويلية التي لا تزال تشوبها تساؤلات عدّة، ما يُحتّم التسريع في تشكيل الحكومة الجديدة لوقف النزف الكبير.

التقدّم الحكومي مستمرّ، على ما نقلت مصادر سياسية عليمة، غير أنّه يحصل، مع الأسف، بالتوازي مع تواصل انهيار البلاد على جميع الأصعدة من لقمة عيش المواطن، الى صحّته، الى عدم توافر المحروقات وما الى ذلك، ومن المتوقّع استكمال مناقشة التفاصيل مع جميع القوى السياسية بما يُتيح ولادة الحكومة في أسرع وقت ممكن. فاللقاء التاسع بين عون وميقاتي أرجىء الى الأسبوع الطالع، من دون تحديد موعد رسمي له، غير أنّه يُمكن التعويل عليه كونه سيكون حاسماً لجهة الخوض في مرحلة الأسماء، بعد أن يكون جرى إنجاز التشاور النهائي على توزيع الحقائب على الأحزاب والطوائف.

وتقول المصادر بأنّ الحكومة المنتظرة لن يكون بيدها «العصا السحرية»، غير أنّه على الأقلّ يُمكنها عقد جلساتها الوزارية واتخاذ القرارات التي من شأنها وقف الإنفجار. فهذه الحكومة ستكون كمدخل للحلول، على ما قال البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي من قصر بعبدا، وليس لحلّ جميع القضايا، مؤكّداً على أنّ هناك تقدّم لإخراج الحكومة، آملاً انطلاق الدخان الأبيض.

وتصف المصادر بأنّ التقدّم الحاصل مقرون بالإيجابية أكثر من السلبية التي يُحاول البعض في الداخل بثّها عن أنّ الخلافات لا تزال على حالها، وأن لا حكومة قريباً، رغم أنّ شيئاً لم يُحسم بعد على صعيد ولادة الحكومة الأسبوع المقبل، إلاّ في حال تواصل المشاورات واللقاءات بين المعنيين، وأوضحت أنّ القوى السياسية تعمل على تسهيل التشكيل، بدءاً من الثنائي الشيعي، ولا سيما من رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي الذي أكّد أنّه لن يُعرقل فيما لو جرى حلّ التعقيدات القائمة، ومن رئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي وليد جنبلاط.

من هنا، فإنّ الحديث عن التفاؤل الحذر في التشكيل لا يزال سيد الموقف حتى الساعة، على ما عقّبت المصادر نفسها، كونها تخشى من حصول أمر ما ينسف كلّ ما جرى الإتفاق عليه، علماً بأنّ الرئيس المكلّف قد بدأ بمناقشة الأسماء بهدف إسقاطها على الحقائب التي سُوي أمرها، في ظلّ التوافق على عدم اعتماد مبدأ المداورة فيما يتعلّق بالحقائب السيادية، واستمرار التشاور حول تسمية الوزيرين المسيحيين الإضافيين من خارج حصّة فريق رئيس الجمهورية.

وبرأي المصادر، إنّ جوجلة أسماء الوزراء بهدف التوافق على الأكثر ملاءمة، من شأنها تحويل معادلة احتفاظ الطوائف الكبرى بالحقائب نفسها الى عامل إيجابي، في ظلّ عدم تطبيق مبدأ المداورة التي تنصّ عليه المبادرة الفرنسية. وعلى هذه الأسماء أن تكون موضع ثقة من الداخل والخارج، لكي تحظى الحكومة بهذه الثقة المطلوبة لإنقاذ البلاد، ولتحقيق ما يُمكن من الإصلاحات.

وأشارت المصادر الى أنّ الفترة المتبقية حتى موعد الإنتخابات النيابية المقبلة، لم تعد كبيرة، لكي يتمّ عرقلة تشكيل الحكومة من قبل البعض، سيما وأنّ المسؤولين المعنيين، والراغبين بالمشاركة فيها يُبدون نواياهم الحسنة بتسهيل التشكيل وبعدم التعطيل من خلال تمسّكهم بهذه الحقيبة أو تلك،على أن تلعب الأحزاب دور الرافعة لهذه الحكومة لكي تتمكّن من إنجاز ما لم تستطع حكومة الرئيس حسّان دياب فعله. فالخارج لا يزال يُصرّ على حكومة فاعلة ومنتجة وقادرة على إنقاذ البلاد وتحقيق ما أمكن من الإصلاحات المطلوبة، قبل موعد الإنتخابات، وإن كان لا رضى خليجي بعد على حكومة برئاسة ميقاتي.

ومن هنا، فإنّ السعي خلال الأسبوع المقبل سيكون متواصلاً بهدف إيجاد أسماء منتجة للتوزير، على ما لفتت المصادر نفسها، وليس أسماء تابعة للقوى والأحزاب لأنّ هذه الأخيرة لن يكن بمقدورها إنقاذ البلاد من الإرتطام الكبير الآتي. والشعب المنتفض في الداخل لن يبقى ساكتاً في حال تألّفت حكومة غير منتجة، في الوقت الذي يُواجه فيه جميع التحديات وخطر الموت بسبب انعدام الأمن الغذائي والدواء والإستشفاء وكلّ ما يرتبط بالحياة. كذلك فإنّ دول الخارج لا تزال تنتظر الحكومة التي من شأنها الحصول على أموال مؤتمر «سيدر» لتحقيق الإصلاحات اللازمة في أسرع وقت ممكن، وعلى توقيع العقود مع صندوق النقد الدولي، وإلّا فإنّ لبنان ذاهب برجليه وبفضل مسؤوليه غير المسؤولين الى الزوال، على ما سبق وأن حذّر وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان.

أمّا القرارات التي تنتظر الحكومة فهي مصيرية، على ما أشارت المصادر، لا سيما إذا ما جرى رفع الدعم عن المحروقات وتضاعف أسعار جميع السلع والمواد الغذائية والإحتياجات الضرورية والدواء والإستشفاء والتعليم وما الى ذلك،والبطاقة التمويلية ليست الحلّ الشافي كونها لن تتمكّن من سدّ العجز الذي سيطال جميع القطاعات في ظلّ بقاء رواتب الموظّفين على حالها رغم الإرتفاع الجنوني لأسعار كلّ شيء، سيما وأنّه ليس من «مموّل» نهائي لها، سوى أموال صندوق النقد الدولي الذي يُفترض أن يدفع 90 مليون دولار لكي لا يجري المساس مجدّداً بأموال المودعين المتبقية في المصارف. علماً بأنّ هذه البطاقة لا تطال جميع العائلات اللبنانية التي باتت بأغلبيتها ترزح تحت خطّ الفقر، إنّما عدد قليل منها (بين 500 و750 ألف عائلة على أبعد تقدير) لم يُعرف حتى الآن، على أي أساس سوف يجري اختياره للحصول على هذه البطاقة، وإذا ما كانت المحسوبيات ستكون بعيدة عنها.

فالحل المتبقّي، على ما ترى المصادر، هو الإسراع في تشكيل حكومة تُعيد ثقة المجتمع الدولي بلبنان، وتعطي الشعب اللبناني ثقته بالمسؤولين الجدد، على أنّهم سيُقدّمون الحلول لمشاكله، وسيعملون بجديّة وشفافية على إنقاذ البلاد من الإرتطام الكبير الذي لم يحصل بعد.