«انطلاقًا من مقولة « قوّة لبنان في تربيته وتعليمه العالي»، أكّد وزير التربية والتعليم العالي في حكومة تصريف الأعمال، الدكتور طارق المجذوب، في مؤتمر صحافي حتميّة العودة إلى المدارس والمعاهد والجامعات، متسائلا: «إن أغلقنا المدارس، ماذا يتبقّى في لبنان، ومن يضمن لنا ألّا يتسرّب المتعلّمون من المدارس؟» ... وأضاف:» ؟ أقفِلوا ما شئتم من قطاعات، لكن حذار أن تقفلوا المدارس. ممنوع أن تُقفل المدارس».

إثر هذا الإعلان الحازم والصرخة التربوية التي تحاول الحفاظ على أجيال الغد، إختلط كلّ شيء، فتفاعلت لدى أطراف المجتمع التعليمي والتربوي الهواجس اللوجستية والمادّية مع الحقوق المطلبية، وطاف الجسم التربوي المتهالك على سطح بلد يعوم فوق صفيح من الأزمات.

فما إن أعلن المجذوب العودة الحضورية لأربعة أيام والافتراضية ليوم واحد، حتى اشتعلت وسائل الإعلام والتواصل، بالأخصّ أنّ القرار جاء في وقت يخلو من أدنى مقومات العيش، على مستوى الطلاب والأهل والمعلمين والمدراس .

«اللجنة الطلابية»: نؤمن بضرورة العودة للتعلّم الحضوري ولكن بشروط

ردّة فعل الطلاب تكاد تكون الأشرس، إذ نال القرار على صفحاتهم الإجتماعية حصة وافرة من التعليقات القاسية، فيما تحلّى موقف اللجنة الطلابية في لبنان بالموضوعية إتجاه القرار، وقال رئيسها عمر الحوت لـ»الديار»:» نحن كلجنة مؤمنين ومدركين بضرورة العودة للتعلّم الحضوري تربويا ونفسيا، فالتعلم عن بعد غير ناجح، ولا يؤمن العدالة التربوية والتعليمية، وليس له مقومات من كهرباء و»إنترنت»، عدا عن صعوبة الوضع الإقتصادي». ورأى أنّ «وضع البلد لا يسمح للتعليم الحضوري»، ولفت الى تأييد اللجنة الطلابية في لبنان للعودة، ولكنه تأييد مشروط بتحقيق المطالب الأساسية:

- أولا: تأمين البنزين والمازوت لضمان وصول التلاميذ والأساتذة الى الصفوف، من خلال استثناءات وتسهيلات لباصات النقل لتعبئة البنزين بالمحطات.

- ثانيا: توفير المازوت للمولدات لضمان تشغيل الكهرباء خلال الدوام.

- ثالثا: التعجيل بخطة وزارة الصحة بموضوع اللقاحات لتشمل كلّ الطلاب من كلّ الأعمار».

الأهل والمعلّمون: لا مُكتسبات

تعليمية وتربوية عن بُعد

مقومات العودة الطلابية قابلها تخوّف الأهل الذين عانوا الأمرّين في العام الدراسي المنصرم، فالتحدّيات كانت صادمة ومتشعّبة، وإن كانت التجربة قد أضافت لبعضهم مهارات تكنولوجية جديدة. ريما ( 30 عاما- ربّة منزل وأم لثلاثة أولاد) قالت لـ»الديار»:» يهمّني كثيرا أن يعود أولادي إلى المدرسة لأنّ العام الماضي كان صعبا جدا، فأولادي لم يكتسبوا أيّ مهارات وخصوصا طفلي الأصغر فأنا لم أسجله في المدرسة في سنته الأولى»، أمّا على مستوى تكاليف الدراسة عبّرت ريما عن مخاوفها من أن تكون تعرفة النقل مرتفعة، و زيادة على الأقساط.

علي (35 عاما- أستاذ مادة الرياضيات في مدرسة خاصة) وصف خطوة وزيرالتربية «بالجريئة جدا وبالقرار الصائب الذي يصبّ في مصلحة التلميذ»، معتبرا أنّه «لو استمر التعليم هذا العام إفتراضيا كان سيحتاج الطلاب لتأهيل تربوي وعلمي جديد، فضلا عن عوائق التعلم عن بعد المتمثلة بالإنترنت السيء والكهرباء»، مشددا «على ضرورة التعاون من جميع الجهات المعنية لتوفير المواصلات ،البنزين والمازوت، كي ننطلق بهذا الجيل ونعود لبنائه كما كان قبل عام 2019 وقبل جائحة كورونا».

«لجان الأهل» في المدارس الخاصة: إذا لم يتّم دعم المدارس لن يكون هناك عام دراسي

رئيسة «اتحاد لجان الأهل» في المدارس الخاصة لمى الطويل أكدّت ل»الديار» على حقّ التلميذ في التعلّم الحضوري، بعد فشل التعلّم عن بعد، رافضة أن يخسر الطلاب سنة تعليمية ثالثة، ومشيرة الى طروحات عدّة قدّمها الإتحاد لوزارة التربية تسهيلا للعام الدراسي، كتأمين المحروقات للباصات عبر البلديات، والتدقيق في حسابات المدارس الخاصة، واعتماد التقشف في موازناتها، واستعمال الإيرادات الإضافية لدعم الأساتذة والأهل والمصاريف التشغيلية، والمساعدات الإجتماعية، فضلا ضرورة الدعم الرسمي للمدارس المتعثرة.

وبخصوص قرار الحضور قالت الطويل:» نحن اليوم رأينا وعودا والعبرة في التطبيق خاصة بموضوع التدقيق»، وطلبت من الدول المانحة وصندوق النقد الدولي دعم الأهل العاجزين عن تحمّل أيّ زيادات»، وأشارت إلى «أنّهم يدفعون منذ عام 2012 زيادات سنوية للمدراس، وأنّ المعنيين يتقاعسون عن إنصافهم بتأليف المجالس التحكيمية»، رافضة «تحميل الأهل تبعات الإنهيار الحالي» ، داعية الدولة والمدراس «إلى تحمّل مسؤولياتهم». وختمت « إذا لم يتّم دعم المدارس، أتوقع انه لا يكون هناك عام دراسي، وسيكون هذا ذنب في رقبة كل المسؤولين بالبلد».

«رابطة التعليم الأساسي الرسمي»:

قرار وزير التربية اقتصر على الوعود

«قرار وزير التربية لم يأت على شيء من المقومات، واقتصر على الوعود»، هذا ما قاله رئيس «رابطة المعلمين في التعليم الأساسي الرسمي» حسين جوادل «الديار» حيث طالب «بتحسين الرواتب التي خسرت 90% من قيمتها»، واستنكر «رفع بدل النقل 3 أضعاف فقط، في حين ارتفع سعر البنزين 7 أضعاف»، وسأل:»من أين ندفع الباقي»؟

وأوضح «أنّ هناك نقصا لوجستيا في أعداد المعلمين»، مشيرا إلى «أنّه يمكن جمع صفين بأستاذ واحد في التعليم المدمج، فيما يستحيل ذلك في الحضوري بالأخصّ مع ازدياد عدد المدارس هذا العام». كما تطرّق لمشكلة المعلمين مع المصارف التي تحدد سقف سحوباتهم، واقترح «تسليم الرواتب عبر شركات تحويل الأموال»، وكشف أنّ «التعليم الأساسي الرسمي سيستجيب لقرار الوزير ويلتحق في الموعد المحدد، لكنّه سيبدأ إضرابا مبدئيا في اليوم التالي حتى نهاية أيلول، يخرقه عقد جمعيات عمومية كل أربعاء».

منصور: مشاركة المتعاقدين

في العام الدراسي ستكون ضمن شروط

منسق حراك المتعاقدين في التعليم الثانوي الرسمي حمزة منصور اشترط سلسلة مطالب منها تأمين قرطاسية كاملة للطلاب و»إنترنت» مجاني وبدل نقل، وبنزين، ومازوت لتشغيل مولدات المدارس، وإعطاء المتعاقد بدل نقل 24 ألف ليرة أسوة بالملاك، ورفع أجر الساعة، وتأمين طبابة واستشفاء وعقود كاملة، وأعلن منصور أنّ مشاركة الأستاذة المتعاقدين مقرونة بالشروط السالفة.

«اتحاد المؤسسات التربوية الخاصه»:

الخطة جيدة «إنما العبرة في التنفيذ»

على الضفة المقابلة لا تختلف الشروط كثيرا عند القطاع الخاص، ممثل مدارس المصطفى (ص) في «اتحاد المؤسسات التربوية الخاصة» في لبنان محمد سماحة أوضح لـ»الديار» أنّ «تحقيق الأهداف التربوية والتعليمية يكون متكاملا بمسار التعليم الحضوري وجزئيا في المسارات الأخرى»، مثنيا على سعي وزير التربية للتعليم الحضوري، ولافتا إلى أن الخطة جيدة «إنّما العبرة في التنفيذ»، داعيا «لتصحيح رواتب المعلمين الذين سيعجزون عن أداء واجباتهم في حال بقيت على حالها».

صحيا، أبدى سماحة حرصا شديدا من المؤسسات التربوية الخاصة على الإلتزام بالتوصيات الصحية لمواجهة كورونا، وشدّد «على ضرورة تأمين المحروقات وتوفيرالنقل والكهرباء والإنترنت لفتح المدارس، وإلّا سيتعطل العام الدراسي، حينها سيصعب ترميم خسارات الطلاب التربوية والتعليمية»، داعيا الجهات الرسمية والنافذة «إلى تقديم المساعدات للأهالي المتعثّرين»، فيما ألمح «أنّ تقسيم الوزير 4 أيّام حضوريا، ويوم واحد لسدّ الفاقد التعليمي، يحتاج لمزيد من التأمّل»، مطالبا «الجهات المعنية بالمزيد من التوضيحات».

جابر: العام الدراسي القادم

من أكثر الأعوام تعقيدا وصعوبة

في قراءة تربوية لقرار التعليم المباشر، توقّع الباحث التربوي الدكتور ماجد جابر أنّ يكون العام القادم- نتيجة التحديات القائمة- من أكثر الأعوام الدراسية تعقيدا وصعوبة في تاريخ التعليم في لبنان، في وقت لا قدرة فيه لعناصر المنظومة التعليمية على المواجهة، فالظروف أقوى من قدرة الأهل والمعلمين والمدارس على تحمّلها.

ولعلّ أصعب تحديات الأهل، وفق جابر، هو التحدّي الإقتصادي، حيث يستحيل عليهم تغطية تكاليف النقل في ظلّ رفع الدعم عن البنزين وانقطاعه، وارتفاع كلفة التعليم، ولفت إلى أنّ الميزانية التشغيلية في المدارس ستكون مرتفعة جدا هذا العام، معتبرا أنّ هذه الظروف مجتمعة لا تشي بإمكانيّة عودة فعالة، إلّا بوضع حلول تحفظ كرامة المعلم وتمكّن المدراس من إستقبال التلاميذ وتعطي الأهل مقوّمات التعليم.

ورأى أنّ خطة الوزير غير قابلة للتنفيذ، واصفا إيّاها بغير العلمية والمدروسة والجدّية، ما سيشكل عائقا أمام انطلاقة العام الدراسي، لافتا إلى أنّه يجب إعادة النظر فيها، ووضع خطط مسبقة يشارك فيها الجميع، مقترحا أن يكون التعليم الحضوري يومين بالحدّ الأقصى وعن بعد ثلاثة أيام، إلى أن تضع وزارة التربية حلولا جذرية ومستدامة.

في العام الماضي، تمحور الجدل التربوي حول الإنتقال من التعليم الحضوري إلى الإفتراضي والمدمج، ليعود الجدل عينه اليوم حول عودة كانت مأمولة سابقا، إنّما في ظلّ واقع أصعب، وبين الجدلين مطالب لوجستية آنية، وأخرى نقابية جوهرية، ليبقى السؤال الأبرز حول مدى إستعداد وقدرة مختلف أطراف العملية التعليمية على التعاون لتمرير العام الدراسي بنجاح، بالأخص أنّ التعليم هو الخلاص الوحيد للنهوض من جديد من بين ركام الإنهيار.

الأكثر قراءة

مسؤول سعودي لشخصيات لبنانية: اخطأنا بحق الاسد ودمشق