تتجه الأنظار الى اللقاء الرابع عشر الذي سيُعقد بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلّف نجيب ميقاتي ويُفترض أن يكون الأخير بين الرجلين على صعيد تشكيل الحكومة، ليخرج بعده الدخان الأبيض من قصر بعبدا ويتمّ إعلان ولادتها. فالعقد المتبقيّة قد جرى تذليلها عقدة تلو الأخرى، لا سيما مع دخول مدير عام الأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم على خط الوساطة بين الرئيس عون وميقاتي وسائر الأطراف المشاركة في الحكومة. وتبقى عقدة الوزيرين المسيحيين اللذين يخفيان قطبة «الثلث المعطّل» الذي لا يريده رئيس الجمهورية ولا يتمسّك به، وذلك خلافاً لما يُشاع. ولم يعد هناك ما يمنع ولادة الحكومة، سوى إجراء بعض «الروتوش» على التشكيلة الأخيرة التي تمّ التوافق عليها، كإعادة التوزيع النهائي لبعض الحقائب، والموافقة من قبل الطرفين على بعض الأسماء المستجدّة. فما الذي يؤخّر ولادة الحكومة، في الوقت الذي ينحدر فيه الوضع الإقتصادي المتدهور الى الهاوية بسرعة قياسية ساعة بعد ساعة؟!

مصادر سياسية عليمة رأت بأن لا شيء يمنع لقاء عون - ميقاتي في قصر بعبدا وإعلان الحكومة الجديدة، خصوصاً بعد كلام الرئيس عون الأخير عن أنّ «عملية تشكيل الحكومة قطعت شوطاً كبيراً، وأنّ الكثير من العقبات قد ذُلّلت»، غير أنّ مواقف ميقاتي الأخيرة والتي تضمّنت بعض المخاوف، تدعو الى الشكّ في إمكانية ولادة الحكومة قريباً رغم التفاؤل الذي حاول بثّه منذ تكليفه التشكيل. فقد أعلن منذ أيّام في حديثه لمحطة تلفزيونية أنّه «في كل اجتماع مع رئيس الجمهورية نبدأ وكأنّنا في المربع الأول، لكنني لا أقول كلّ شيء على الإعلام كي لا أنشر الإحباط»، وربّما لهذا السبب الأساسي دخلت وساطة اللواء ابراهيم على خط التسوية لوقف العودة الى الوراء والمضي قدماً الى الأمام بعد تذليل العقد.

أمّا كلام ميقاتي عن السفينة الإيرانية المحمّلة بالوقود والتي يُفترض أنّ تصل الى المياه الإقليمية أواخر الأسبوع الحالي، بأنّه لن يسمح بأن يُعرّض لبنان للخطر والعقوبات، وبأنّه لن يسمح بالتالي لأحد بأن «يؤدّي بنا لأي عقوبات جديدة»، فيُشكّل بحدّ ذاته عقدة أمام ميقاتي لإعلان الحكومة الجديدة، على ما أوضحت المصادر، كونه يريد ضمانات من الأطراف المعنيّة بأنّ السفن الإيرانية التي يُتوقّع أنّ يتواصل مسارها الى حين حلحلة أزمة المحروقات في البلد بشكل مؤكّد وظاهر للعيان، لن يؤدّي مجيئها الى التسبّب بخطر ما على مصلحة لبنان، أو يفرض عليه عقوبات جديدة.

وأكّدت المصادر نفسها، بأنّ الولايات المتحدة الأميركية التي تفرض العقوبات الإقتصادية على إيران هي المخوّلة «ردع» هذه السفن في حال كانت تُشكّل خرقاً للحصار، غير أنّها لم تعترض حتى الساعة على إبحار هذه السفن من إيران باتجاه لبنان أو أي بلد مجاور في المنطقة. أمّا العدو الإسرائيلي الذي كان يُخشى من قيامه بردّة فعل خطيرة، اكتفى بالقول بأنه لن يقصف سفن محمّلة بمساعدات لحلّ أزمة إنسانية. وهذان الموقفان كافيان لكي يطمئن الرئيس المكلّف الى أنّ السفن الإيرانية لن تكون سبباً لفتح أي حرب جديدة على لبنان، ولكن رغم ذلك، يُفضّل ميقاتي انتظار وصول أول سفينة إيرانية وتفريغ حمولتها من الوقود ليبني على الشيء مقتضاه، ولهذا ناشد الدول العربية مساعدته من خلال تقديم «شمعة» أي بديل عن السفن الإيرانية لكي يتمكّن وحكومته بعد التشكيل، من قول «لا» لها مع توافر البديل، لكي يُبعد أي ضرر أو خطر عن مصلحة لبنان، وإلا فإنّه سيصبح من الصعب عليه رفض إفراغ هذه البواخر لحمولتها في الوقت الذي يعاني فيه الشعب اللبناني من نقص في مادتي البنزين والمازوت.

ولفتت المصادر نفسها الى أنّ ميقاتي يريد تشكيل حكومة فاعلة تبدأ فوراً بعملية الإنقاذ وتحقيق الإصلاحات، وليس حكومة يكون عليها حلّ الخلافات السياسية، فلا يعود يتسنّى لها تنفيذ الخطة الاقتصادية الإصلاحية، على غرار ما حصل مع الرئيس حسّان دياب الذي عطّل وباء «كورونا» تقليع حكومته، وقضت التدخّلات السياسية عليها، ولهذا يتريّث في الخطوات الأخيرة من إعلان حكومته. كذلك فإنّ مسألة تسمية الوزيرين المسيحيين من خارج حصّة رئيس الجمهورية والطاشناق، فضلاً عن وزير الحزب القومي، من قبل ميقاتي، من شأنها إراحته شخصياً في حال وافق الرئيس عون على هذا الامر، كون الرئيس المكلّف يخشى من «ثلث معطّل» مقنّع من قبل الفريق الرئاسي، ولهذا يعمد الى تفنيد أصل وفصل كلّ إسم يطرحه عون من خارج حصّته.

ومن هنا، إذا كان البعض لا يزال يقول بأنّ التفاصيل الحكومية هي التي لا تزال تُعيق ولادة الحكومة، فإنّ المصادر عينها تجد بأنّ الخلافات السياسية وعدم وجود الثقة بين الرئيس عون والطائفة السنيّة هي التي تحول دون ولادتها، فوزارة العدل لم يتمّ التوافق على إسم وزير لها سريعاً، على سبيل المثال، خوفاً من أن تُعطى لشخصية عونية غير محايدة، وهكذا دواليك.

وتقول المصادر بأنّه حتى الساعة يُمكن الحديث عن تشكيلة حكومية شبه نهائية على النحو الآتي: محمّد نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة، سعادة الشامي نائباً لرئيس الحكومة بلا حقيبة، يوسف خليل لوزارة المالية، القاضي المتقاعد بسّام مولوي لوزارة الداخلية والبلديات، العميد موريس سليم لوزارة الدفاع الوطني، السفير عبد الله بو حبيب لوزارة الخارجية والمغتربين، فراس الأبيض لوزارة الصحّة العامّة، جوني القرم لوزارة الإتصالات، القاضية ريتا غنطوس كرم لوزارة العدل، وليد فيّاض لوزارة الطاقة، ناصر ياسين (غير محسوم نهائياً) لوزارة الإقتصاد والتجارة، إذا لم تسند له حقيبة التنمية الإدارية، ريمون طربيه (غير نهائي بعد) لوزارة الشؤون الإجتماعية، جورج قرداحي لوزارة الإعلام. كما سقط إسم مروان أبو فاضل الذي جرى تداوله إمّا لنيابة رئاسة الحكومة، أو لوزارة الدفاع في وقت سابق.

فيما ليس هناك أي عقد بالنسبة للوزارات الأخرى التي هي: التربية والتعليم العالي، الصناعة، السياحة، المهجّرين، البيئة والتنمية الإدارية، من حصّة السنّة والدروز (وزيران لكلّ من الحزب التقدمي الإشتراكي، وطلال إرسلان ووئام وهاب)، والثقافة والزراعة من حصّة «حركة أمل»، والأشغال العامّة والنقل ووزارة العمل من حصّة حزب الله، وحقيبة الشباب والرياضة التي بقيت لحزب الطاشناق.

ويمكن القول، على ما أوضحت المصادر، بأنّ حقائب عدّة طُرحت لها أسماء كثيرة من قبل الرئيس عون وميقاتي جرى رفضها، مثل وزارة الداخلية الى أنّ رست أخيراً على إسم القاضي مولوي بعد اعتذار اللواء ابراهيم بصبوص الذي سُمي لهذه الحقيبة بعد التوافق. كذلك الأمر بالنسبة لوزارتي الطاقة والعدل، فقد جرى حلّ عقدة وزارة الطاقة بحسمها للمرشّح وليد فيّاض، على ما اقترح رئيس الجمهورية، فيما كان ميقاتي قد سمّى كارول عيّاط لهذه الحقيبة. أمّا وزارة العدل فرست أخيراً على إسم القاضية في مجلس شورى الدولة ريتا غنطوس كرم، وهي زوجة القاضي كلود كرم، وابنة القاضي المتقاعد جورج غنطوس. وكان الرئيس عون قد طرح، في وقت سابق، إسم القاضية جويل فواز لهذه الحقيبة، علماً أنّها تشغل مركز رئيسة هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، كما سمّى رئيس الجمهورية أيضاً هنري خوري للعدل وجرى رفضه من قبل ميقاتي. وذكرت المصادر بأنّه جرى التداول بإسم السفير المتقاعد بطرس عساكر لوزارة الخارجية في حال جرى رفض سفير لبنان السابق لدى واشنطن بو حبيب.