حين ســـئــل الفــيلد ماريشال مونتغمري عن وضعه السيكولوجي عشية معركة العلمين أجاب «كمن يقطع جبال الألب على ظهور الفيلة، لكنني كجنرال، عقدت العزم، وبريطانيا تنظر اليّ، أن أقطع تلك الجبال (وهنا الصحارى) حتى ولو على قدميّ» !

أليست مهمة اللواء عباس ابراهيم أكثر صعوبة من قطع جبال الألب على ظهور الفيلة، أو على القدمين؟ هنا حقول الألغام بين الخطوة والخطوة، وهنا طبقة سياسية تنتمي الى كوكب آخر. كجنرال، ولبنان ينظر اليه، كان لا بد أن يراقص المستحيل. هو من احترف مراقصة المستحيل منذ أن غزت الأقدام الهمجية سفوح السلسلة الشرقية...

اسرار كثيرة في رأس المدير العام للأمن العام، سواء بحكم الموقع أم بحكم المهمات المعقدة، التي قام بها في المنطقة أو على ضفتي الأطلسي. عاش كل أنواع المشقات وكل أنواع الأزمات، وحادث (وفاوض) كل أنواع الرجال، ليبقى السؤال: هل ثمة من أزمة واجهته وتشبه أزمة تشكيل الحكومة، فضلاً عن محاولة التقريب بين رجلين، أو بين حالتين، يتمحور الصراع بينهما على الحقائب، وعلى المقاعد، فيما البلاد على خط الزلازل.

اللواء يعلم ما في رأس كل من الرجلين، وما هي الخلفية النرجسية، أو القبلية، للمواقف (المطالب). ايضاً ما هي التأثيرات الداخلية والخارجية على هذا وذاك...

مشكلته، وهو «يقاتل» من أجل الدخان الأبيض، وسط هذا السواد العظيم (لا الشعب العظيم)، في مدى الهشاشة، وفي مدى المراوغة، لدى مقاربة غالبية القوى السياسية لأزمة قد تكون البوابة الاحتفالية لزوال جمهورية قامت في ظروف ملتبسة، وعلى مكونات ملتبسة، وان كان هناك من يراهن، في البقاء، وفي التألق، عل «الالتباس الخلاق» (التعبير الذي ابتدعه هنري كيسنجر لاحقاً) في منطقة لطالما شاعت فيها... ثقافة وحيد القرن.

لا بد أن اللواء ابراهيم، أيضاً بحكم الموقع، وبحكم التجربة، (والأولوية هنا للرؤية)، أن يرى ما لا يراه الآخرون. المشهد الأفغاني، ببعده الهوليوودي، أحدث دوياً هائلاً داخل الاستبلشمانت في أميركا. هل الأمبراطورية عاجزة الى هذا الحد، غبية الى هذا الحد، عمياء الى هذا الحد لكي تفاجأ بما جرى أثناء الهروب الكبير، والمخزي، من تلك المتاهة الآسيوية؟

جدلياً، ما حدث يرخي بظله على المسار الديبلوماسي، والمسار التفاوضي، الأميركي حول العودة الى اتفاق فيينا. هذه المسألة التي تشغل حيزاً اساسياً من المسرح اللبناني، كما من الأزمة (التراجيديا) اللبنانية.

لعل المشهد، بتداعياته الدراماتيكية، على الشرق الأوسط، جعل اللواء ابراهيم يتحرك، مكوكياً، وبتلك الديناميكية، وهو الذي يعلم أن فلسفة التسويات وضعت، والى اشعار آخر، على الرف، وأن المرحلة ستشهد سلسلة طويلة من التجاذبات، والتوترات، الاقليمية والدولية، وقد يكون لبنان (وجود لبنان) رهينة، أو ضحية، تلك التجاذبات والتوترات...

لا أحد يستطيع الادعاء، بمن فيهم «خفافيش منتصف النهار»، بأنه يعرف بأي لهجة تكلم اللواء ابراهيم، وأي حجج طرحها على طرفي «الصراع»، الثابت أن اللهجة لم تكن عادية. الحجج أيضاً لم تكن عادية. القضية لم تعد في شخص ميشال عون، كرئيس للجمهورية، بصلاحيات عائمة، ولا في شخص نجيب ميقاتي، كرئيس حكومة مكلف يدافع عن صلاحيات حمالة أوجه.

القضية في بقاء لبنان بعدما حذر هرتسي ليفي، «الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الاسرائيلية»، من «حجارة جهنم تتساقط عند حدودنا وربما داخل حدودنا».

رهاننا على نجاح مهمة اللواء ابراهيم، والا علينا أن نتوقع منه، بما يتمتع به من صدقية دولية، وصدقية داخلية، أن يقدم على خطوة تهز الضمائر العفنة. 

ثمة من يسأل «هل يمكن أن تضرب أميركا (ولو ديبلوماسياً )لتستعيد بعضاً من وهجها الذي بدأ يخبو من عقود، حتى أن مادلين أولبرايت التي قالت، ذات يوم، أن الجيش الأميركي لم ينشأ ليتكدس في الثكنات، تقول الآن «لتكن حربنا في أفغانستان آخر الحروب، ولتكن صدمتنا في أفغانستان آخر الصدمات» !