وُلدت الحكومة الجديدة الجمعة بعد يوم من الإتصال الهاتفي الذي حصل بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الإيراني إبراهيم رئيسي الخميس، والذي جرى التأكيد خلاله على أنّ «طهران جادّة في الحفاظ على الأمن وقوّة الردع في منطقة الخليج وبحر عُمان، وستُواجه العناصر التي تتسبّب بزعزعة الأمن»، في الوقت الذي تعمل فيه شركة «توتال» الفرنسية في العراق بمليارات الدولارات. وفيما يتعلّق بلبنان قال رئيسي «نحن نؤيد أي عمل يستهدف الإستقرار والأمن وتحسين الوضع الإقتصادي للشعب اللبناني، ونرحّب بدعم فرنسا في هذا الصدد»... هذه التسوية المبدئية أدّت الى تمرير الحكومة في لبنان، على أمل حصول التسوية الشاملة التي من شأنها إعادة المياه الى مجاريها في لبنان ودول المنطقة، في حال تمّت على خير ما يُرام.

أوساط ديبلوماسية مطّلعة تحدّثت عن أنّه أصبح للبنان وبعد طول انتظار حكومة جديدة قادرة على اتخاذ القرارات وعلى التفاوض مع صندوق النقد الدولي وهو أمر جيّد جدّاً، لطالما دعت إليه دول الخارج منذ استقالة حكومة الرئيس حسّان دياب بعد أيّام معدودة على انفجار مرفأ بيروت في 4 آب من العام الماضي. وأشارت الى أنّه أمام هذه الحكومة الجديدة فرصة حقيقية لوضع لبنان على السكّة الصحيحة لتحسين وضعه الإقتصادي المأزوم، شرط أن تكون مصلحة الشعب من أولوياتها، وليس مصالح الكارتيلات والمصارف التي حجزت أموال المودعين، ولم تُفرج عنها حتى الآن.

وبما أنّ التوافق قد حصل بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس نجيب ميقاتي على تشكيل الحكومة، فهذا يعني أنّهما تحسّسا ما يعاني منه المواطن اللبناني، على ما أضافت، وما آلت إليه الأزمات من تفاقم أثّر سلباً على الحياة اليومية للمواطنين، وتجاوبا بالتالي مع الوضع الإقتصادي الضاغط بهدف العمل على حلحلته سريعاً. من هنا، أملت أن يكون لديها القدرة الكافية لتحقيق الإصلاحات المطلوبة، كونها مدعومة من دول الخارج، ولا «ثلث معطّل» فيها على ما أكّدت الأطراف المشاركة فيها.

أمّا الإستحقاقات التي تنتظر هذه الحكومة بعد عقد أول جسلة وزارية لها الإثنين، والتقاط الصورة التذكارية، وصياغة البيان الوزاري ثمّ نيلها الثقة في مجلس النوّاب التي لا بدّ أن تحصل خلال الأسبوع المقبل، فهي كثيرة، على ما أوضحت الأوساط، أوّلها، موضوع رفع الدعم الكلّي عن المحروقات، ومن ثمّ التفاوض مع صندوق النقد الدولي، فضلاً عن تحرير سعر صرف الدولار الأميركي الذي له 4 أو 5 أسعار في البلد نفسه، وملفات الكهرباء، والإحتكار والتخزين، والتهريب، وشركة الميدل إيست، والكابيتل كونترول، والتدقيق الجنائي وسواها. كلّها عناوين كبيرة على الحكومة إيجاد الحلول لها، تدريجاً. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف ستتصرّف هذه الحكومة تجاه هذه الملفات، هل بطريقة الحكومات السابقة نفسها أم ستعمل على تغييرها بإعلاء مصلحة اللبنانيين فوق كلّ الإعتبارات الأخرى، وهل نضجت بالتالي الظروف الداخلية والإقليمية لتحقيقها؟!

كذلك فإنّ المجلس النيابي نفسه، سيرى ما سيكون عليه برنامج الحكومة، على ما عقّبت، لكي تحصل على ثقته، ولا سيما «تكتّل لبنان القوي» الذي يُرجىء الإعلان عن إعطاء الحكومة الثقة الى حين الإطلاع على برنامجها. في الوقت الذي أعلن فيه ميقاتي أنّه سيحصل على ثقة التكتّل، من ضمن التسوية التي أدّت الى ولادة الحكومة. وقد صحّح له عون تأكيده هذا، بعد دراسة برنامجها. ولهذا فإنّ الجميع ينتظر بيانها الوزاري لكي يبني على الشيء مقتضاه، ولمعرفة ما إذا كانت ستعمل فعلاً على وضع البلاد على سكّة الإصلاحات، أم ستهدر الأشهر المقبلة هباء الى حين موعد الإنتخابات النيابية المقبلة في 8 أيار من العام 2022.

وفيما يتعلّق بالثلث المعطّل الذي يقول البعض إنّ عون قد حصل عليه بشكل مقنّع، فأوضحت الأوساط عينها بأنّ كلّ فريق يعتقد أنّه يملكه كون ثمّة وزير ملك يُحقّق الفرق في عدد الحقائب، غير أنّ «الثلث المعطّل» قد أصبح وراء هذه الحكومة التي يؤمل منها أن تبدأ عملها الفاعل سريعاً. ولفتت الى أنّ الحركة التي قامت بها السفيرة الفرنسية في لبنان آن غريّو قبل يوم من تشكيل الحكومة، تزامناً مع الزيارة الرسمية للوفد العسكري من الإتحاد الأوروبي الى لبنان، قد أوجدت مخرجاً لهذا «الثلث الضامن» أو «المعطّل» الذي كان يُعطّل ولادة الحكومة، من خلال الأسماء المشتركة لكلّ من عون وميقاتي مثل جورج كلاس ونجلا رياشي. كذلك فإنّ الإتحاد الأوروبي، ومن ضمنه فرنسا، كان لوّح بالعقوبات كون بداية انطلاق اجتماعاته ستحصل في 21 من أيلول الجاري، والتي كان يُفترض أن يُناقش خلالها مسألة العقوبات على شخصيات لبنانية مسؤولة عن تعطيل تشكيل الحكومة، في حال بقيت العرقلة قائمة.

ومن هنا، وبعد أن جرى التوافق بين إيران وفرنسا على تعزيز العلاقات بين البلدين على أساس الإحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وعلى أنّه بإمكانهما أن يلعبا دوراً في إرساء السلام والإستقرار في المنطقة من خلال تعاونهما، ولأنّ حجم الأزمة الخانقة لم يعد يُحتمل، جرى تذليل العقبات المتبقية أمام تشكيل الحكومة في لبنان على قاعدة «لا رابح ولا خاسر». غير أنّ الاوساط تساءلت في الوقت نفسه عمّا إذا ما كان الصراع السياسي القائم قد انتهى، وإذا ما كانت الثقة بين فريقي النزاع قد استعيدت بالكامل، سيما وأنّ ثمّة قرارات استراتيجية على حكومة ميقاتي اتخاذها في ظلّ أزمة النظام الذي يعيشه لبنان. كما في ظلّ النقاش الذي سبق تشكيل الحكومة، على قانون الإنتخابات، بين فريق يُنادي بتطبيق اللامركزية الإدارية الموسّعة، وآخر يريد إجراء الإنتخابات وفق تعديل القانون الحالي واعتماد دوائر كبرى على أساس النسبية، أو اعتماد لبنان دائرة واحدة.

وألمحت الى أنّ التوافق في عمل الحكومة فور صياغة بيانها الوزاري ونيلها الثقة من المجلس النيابي والبدء بعقد جلساتها الوزارية سيظهر سريعاً أمام الداخل والخارج، سيما وأنّه لديها مهام كثيرة تتعلّق بالخطوات الإصلاحية التي عليها القيام بها مثل تأمين الكهرباء والبنزين والمازوت والخبز للبنانيين، لوقف الإنفجار الإجتماعي الذي كاد يحصل لو لم تولد، سيما وأنّ العين في الداخل والخارج ستكون على أدائها وعلى مدى توافقها لإنتاج العمل المطلوب منها. أمّا إذا فشلت في اتخاذ القرارات الإصلاحية، فإنّ الإنفجار سيعود ليُهدّد وجودها، ولعدم حصول الإنتخابات النيابية والبلدية والإختيارية في موعدها، وهذا ما لا يريده اي طرف سياسي شارك فيها على أساس إنقاذ البلاد وتحسين وضعه الإقتصادي سريعاً.