في تحديات لا تنتهي، يعيش قطاع التعليم في لبنان في بحر من الصعوبات والمعوقات للحفاظ على أكبر ثروة وطنية لا يجب التفريط بها وهي التعليم. قبيل بدئ الحكومة الجديدة العمل، قام وزير التربية السابق بالإعلان عن موعد بدئ العام الدراسي بشكل مفاجئ أربك التلامذة، والأهلي، والاساتذة على حد سواء. فما هو رأي الاساتذة فيما تم الإعلان عنه، وهل تطبيقه أمر ممكن؟

الناشطة في المجتمع المدني والمعلمة المتعاقدة نسرين شاهين أكدت ل» الديار» أن الاساتذة المتعاقدين يدعمون وزير التربية بقراره العودة الحضورية إلى المدارس لأنه وبحسب قولها، قد أثبت التعليم عن بعد فشله في لبنان العام المنصرم بظل غياب بعض المقومات، فما البال حالياً مع غياب تام لهذه المقومات خصوصاً وأن الحواسيب التي وعد بها التلامذة تمت سرقتها، ولم يتم تأمين مبلغ مليون ليرة لكل تلميذ، كما وهبة ٥٠٠ مليار لدعم المدارس ألم يتم تأمينها أيضاً؟

ورأت أن ما قام به وزير التربية هو تحديد الخطة والرؤية للعام الدراسي في الوقت الذي ما زال إلى حد الآن يسعى مع منظمات وجهات لتقديم منح ومساعدات للقطاع التعليميحتى قبل أن يقوم الاساتذة بالإكمال وقبل أن تقوم المدارس بفتح ابوابها أمام التسجيل، وبالتالي تساءلت شاهين عن مدى حكمة الوزير في اتخاذ هكذا قرار خصوصاً وأنه يستوجب وفق الخطة البدء بتسجيل التلامذة في الوقت الذي يقوم به الاساتذة في تنفيذ إضرابات مطلبية وعدم قدرة على الصمود لدى الاساتذة أنفسهم خصوصاً الاساتذة المتعاقدين الذين لا يحصلوا على أكثر من 80 ألف في اليوم بأحسن الأحوال وهو ما لم يعد يشكل حتى نصف قيمة صفيحة البنزين التي يحتاج منها الأستاذ إلى إثنين كمعدل وسطي في الأسبوع للحضور إلى عمله.

وأكدت بدء الإضراب وعدم النية لدى الاساتذة المتعاقدين للعودة إلى التعليم ليس لأنهم لا يريدون عدم الالتزام بالعام الدراسي، انما لأن الواقع مزري إلى درجة عدم قدرتهم على القيام بواجباتهم بشكل خارج عن ارادتهم،كما تحدثت عن تذرع وزير التربية بضرورة استحصال على موافقة من المجلس النيابي لصرف بدلات نقل للأساتذة وهو الأمر الغير صحيح كونهم في بداية التعاقد كانوا يتقاضون هذا البدل من صناديق المدارس ومن بعدها تم إلغاء الأمر.

وشددت على وجوب التنسيق في ما بين الوزارات والإدارة المعنية لإطلاق خطة طوارئ في البلاد كما قاموا سابقاً بدعم قطاعات متعددة لأن القطاع التعليمي على كافة الأراضي مهدد بالانهيار التام وهو لا يقل أهمية عن القطاع الصحي وعن الأمن الغذائي، لا بل هو يمكن أن يصنف كأمن تعليمي يستوجب الحفاظ عليه لما له من تأثير ضخم على مستقبل لبنان.

وعن البطاقة التمويلية، رفضت شاهين أن يتم اعطائها للأستاذ كنوع من المساعدة، مشددة على أن المعلم ليس بمتسول يريد فقط أن يدعم بهذه الطريقة، ولا يجب أن تتم اهانته خصوصاً وأن بدل النقل الذي تحدث عنه الوزير وهو قيمته ٢٤ ألف، حرم منه ٧٠٪ من الكادر التعليمي كونهم من الاساتذة المتعاقدين حيث قاموا بإعطاء راتب شهر إلى كافة الموظفين في القطاع العام وحصل عليها ما نسبته ٤٠٪ منالقطاع التعليمي من الاساتذة والاداريين والموظفين في وزارة التربية وحرم منها الأستاذ المتعاقد.

وفي معاناة إضافية على معاناتهم، قالت أن الاساتذة المتعاقدين غير قادرين على الاستفادة من الزيادة كون الوزير قد قلص العام الدراسي الذي لا يجب أن ينخفض عن ما يعادل ٣٠ أسبوع في العام، حيث سوف يبلغ العام الحالي وفق الخطة الحالية والتحديات القائمة ١٨ أسبوع فقط، بالإضافة إلى التذرع بحجة تعين الاساتذة في لبنان مما يستوجب أن يتم الدفع لهم بالعملة الوطنية، ولكن تحدثت شاهين عن امتلاكها وثائق تثبت أن معظم الاساتذة كانوا يقبضون بالدولار عندما قامت الدول المانحة بتمويل خطة تعليم اللاجئين السوريين في لبنان قبل أن يتم تحويل القبض إلى العملة اللبنانية بشكل مفاجئمتسائلة عن من يستفيد من فروقات العملة بعد هذه الخطوة.

أما عن هجرة الاساتذة، قالت شاهين أن لبنان خسر حوالي ١٨٠٠ أستاذ والأرقام مرجحة إلى الارتفاع خلال الشهر القادم كوننا اقتربنا من الموسم الدراسي والمدارس بدأت بطلبات توظيف لتغطية هذا الفراغ الحاصل في الأماكن الشاغرة في كافة المدارس الرسمية والخاصة والجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة في نتيجة أخطر ما تكون على لبنان وتتمثل بهجرة الأدمغة القدرة على النهوض بالبلد بسبب أزمة سياسية بحت تسببت بها هذه الطبقة الحاكمة وسوف نحصد تبعات هذه الخسارة بعد سنوات قليلةوفق شاهين. كما وسخرت مماأسمته إنجاز بين مزدوجين للوزارة عن توفير الكتاب المدرسي الرسمي الذي عادة ما يكون سعره رمزي، واوعزت إلى المدارس الخاصة بالاستعانة به في حال واجهوا صعوبات في الحصول على كتاب خاص بهم، مشيرة إلى أن الأمر سخيف جداً خصوصاً وأنهم في المدارس الرسمية يلجؤون أحياناً إلى الاستعانة بكتب المدرسة الخاصة كون أحدث طبعة رسمية صدرت عام ١٩٩٢.

في الختام تحدثت شاهين عن هيئة التنسيق النقابية التي تضم روابط القطاع التعليمي كافة، وكل رابطة تضم كافة الاحزاب اللبنانية التي حصلت عليها بالتوافق السياسي، وعبرت عن دهشتها من قيامهم بالتظاهر أمام وزارة التربيةبوجه النظام الفاسد الذي يؤدي إلى انهيار القطاع التعليمي، علماً أنهم هم الصورة المصغرة عن هذا النظام الفاسد وكونهم غير قادرين على تسمية مسؤول واحد بالاسم لأنهم وكلاء الاحزاب الموجودة في السلطة وشبهت ما حصل بالمسرحية الفلكلورية من قبل هيئة التنسيق الفاقدة للشرعية والتي هي فوق القانون وفق شاهين، لأنه مضى وقت على انتهاء ولايتها وسمحت لنفسها بالتمديد دون الانتخابات أو الدعوة إلى جمعية عمومية وبالإبقاء على الروابط التي قامت بالتظاهر حالياً بعد علمها بمساعي الوزير للحصول على بدلات النقل لكي تقوم اقتطاف الإنجاز في حال حصوله خصوصاً وأن الانتخابات اقتربت والجميع يسعى إلى شد العصب الحزبي.

على المقلب الآخر، وفي معاناة مشابهة ولكن من نوع أخر، والدة تلميذين في إحدى المدارس الرسمية السيدة هناء زنبركجي التي لم تخف خوفها العميق من عدم قدرتها على إرسال الأطفال إلى المدرسة هذا العام، وعبرت عن صدمة شديدة تعيشها من تراخي الدولة والمسؤولين أمام هكذا امر أساسي وهو التعليم. زنبركجي أكدت ل «الديار» أنها تربت في أسرة تقدس التعليم وتعتز بكونها تخرجت من مؤسسات تعليمية لبنانية، خصوصاً وأن اخوتها العاملين في الخارج لاقوا إستحسان وقبول فوري عندما تقدموا منذ زمن للعمل بشهادة لبنانية، وأبدت خوفها على أن تفقد هذه الشهادة قيمتها مع كل ما يحصل ويواجه هذا القطاع. زنبركجي التي فقدت عملها إبان ثورة ١٧ تشرين، تعيش واولادها الإثنين على راتب زوجها الذي يكاد لا يكفي نصف الشهر مع الغلاء المستفحل والتضخم المفرط، تعبر عن رعب يصيبها لدى التفكير في عدم قدرتها وزوجها على إرسال الأولاد إلى المدرسة التي تبعد ٢٢ كم عن منزلهم، فهم وإن تخلوا عن خدمات النقل وقرروا أن ينقلوا الأطفال إلى المدرسة بأنفسهم، فانهم ما زالوا بحاجة إلى مصاريف مرتفعة جداًلتغطية كلفة المحروقات بالدرجة الأولى، ثم إن باقي التفاصيل يمكن «أن ندخر» لها وفق زنبركجي. بالإضافة إلى هذه المعضلة، تتعجب السيدة من تراجع نوعية التعليم في المدرسة الرسمية وتتخوف من أساليب دراسية جديدة لا تنطوي على نوعية مرتفعة كما في السابق، خصوصاً وان ثلاثة من اساتذة اولادها تركوا البلد وتم تعيين اساتذة جدد مكانهم بعمر صغير وقد يكونوا لا يتمتعوا بالخبرة اللازمة للتدريس بأسلوب يعوض ما فات في العامين المنصرمين، منددة بالتعليم عن بُعد وعدم جدوته في بلد باتت لا توجد به الأساسيات.في الختام شددت أنها وصديقاتها دائماً ما يتحدثون في هذا الشأن، وأن لسان حال معظم الأمهات في لبنان يقول أنهم يرفضون بشكل قاطع المساومة على نوعية التعليم لأي سبب كان، وأنهم جاهزون لأي تحرك يساهم في الحفاظ على حق الاساتذة لإعطائهم مقومات البقاء، وللحفاظ على المؤسسات التعلمية من الانهيار حتى ولو انهارت كافة مؤسسات الدولة، لأنه وبحسب زنبركجي هذا هو الاستثمار الوحيد الناجح والذي يستحق أن نضحي من أجله سواء للبقاء و المقاومة، أو حتى للذهاب إلى الخارج و المقاومة من هناك.