ربما يرى العرب والايرانيون من نيويورك، بصورة أكثر وضوحاً أو أكثر واقعية، ما يجري من تحولات، أو ما ينتظرنا من تحولات، في هذا القرن.

اللقاء الذي انعقد بين وزراء خارجية مصر، والعراق، والسعودية، والأردن، والكويت، وقطر، ووزير الخارجية الايراني مثلما كانت له دلالاته، في هذه الظروف المحورية، لا بد أن تكون له نتائجه بعدما أكدت المعلومات أن أنطوني بلينكن لم يكن بعيداً عن الاعداد له.

هناك، في أعلى مكان في العالم (لا تنسوا أنها نيويورك وأنها مدينة وول ستريت)، يتواجد، سنوياً، قادة العالم. لا ندري لماذا اختير هذا الشهر لافتتاح الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وهو ما أوحى للمخرج الهوليوودي ديفيد لين بوضع شريط ساخر بعنوان «خريف العالم».

حتى الآن، لا يزال دور الجمعية فولكلورياً. لا أثر لتوصياتها، أو لقراراتها. الخمسة الدائمون هم الذين يختزلون البشرية، وان كان هناك من يدعو الى اعادة هيكلة المنظمة الدولية، اذ كيف يمكن لدول مثل الهند، أو مثل ألمانيا واليابان، أن تبقى خارج ... الغرفة ؟

اذ كانت للرئيس جورج بوش الأب نظرته الى الأحادية القطبية في ادارة الكرة الأرضية عقب تفكك الاتحاد السوفياتي، وضعت تلك الدعوة  على الرف.

بيان وزارة الخارجية الايرانية كان لافتاً في التأكيد الدائم على الحوار، ليلاحظ «أن تاريخ، ووقائع، المائة عام المنصرمة في منطقة غرب آسيا تظهر أن المتغيرات الأجنبية كانت العقبة الرئيسية أمام التقارب، وبالتالي الافتقار الى التنمية المستدامة».

يفترض أن نأخذ بالاعتبار أن اللقاء انعقد في ظل الحديث عن انحسار الدور (والوجود) الأميركي في الشرق الأوسط الذي دأبت الادارات المتعاقبة على صناعة، وادارة، النيران في أرجائه. هذا ما حمل زبغنيو بريجنسكي على التحذير، وفي وقت مبكر، من «اللعب هناك على ساق واحدة، لأن الشرق لطالما كان محرقة الآلهة، مثلما كان محرقة الأنبياء»!

هل باستطاعتنا القول، والحال هذه، من نيويورك ... مع أطيب التمنيات ؟

كان ضرورياً أن تشارك تركيا في اللقاء بعدما مضى رجب طيب اردوغان بعيداً، تحت المظلة الأميركية، وحتى تحت «المظلة الاسرائيلية»، في «استراتيجية الثعبان» علها تفضي الى اقامة تركيا الكبرى».

هذه فرصة تاريخية لأصحاب الأدمغة، والرؤى، لا لأصحاب الثقافة العمياء، أن يدركوا الى أين يمكن أن تؤدي الصراعات المبرمجة في الغرف السوداء. منذ نحو مائة عام ودول المنطقة تدار، بالخيوط الغليظة. بعد الحدث الأفغاني، باحتمالاته، وبتداعياته، الدراماتيكية، آن الأوان لانشاء منطمة اقليمية تعيد ترتيب العلاقات، بمفاهيم استراتيجية، مع العالم!

المشكلة اليمنية، بتضاريسها الجيوسياسية، والجيوستراتيجية، المعقدة، هي العائق الهائل لعودة الوئام بين ضفتي الخليج. ماذا جنى السعوديون والايرانيون، على مدى السنوات الست المنصرمة، من الصراع الدموي على أرض اليمن سوى مئات مليارات الدولارات التي ذهبت هباء، وسوى آلاف الجثث، وآلاف المؤسسات والمنازل، المدمرة، وسوى الهياكل العظمية التائهة ؟

الباب السعودي سيبقى مقفلاً أمام لبنان (وأمام سوريا) ما دامت المراوحة العسكرية في اليمن على حالها. نقول للسعوديين، ونقول للايرانيين، الى أين ؟!

أجواء نيويورك توحي بشيء من التفاؤل. ايمانويل ماكرون الذي يعاني ما يعانيه من الأميركيين، سبق وتمنى على ابراهيم رئيسي التجاوب مع الاتجاهات الديبلوماسية لجو بايدن خشية عودة الثيران الى البيت الأبيض. الرئيس الايراني لا تعوزه الرؤية. ربما الايرانيون يتأنون، ويتباطأون، أكثر من اللزوم، حتى يأتيهم الآخر منهكاً. هذا رهان خطر، وقد يأتي بنتائج عكسية.

مثلما لا فئة في لبنان تستطيع أن تلغي أي فئة أخرى، لا دولة في المنطقة تستطيع الغاء دولة أخرى. لماذا، اذاً، الصراعات العدمية التي لا تفضي الا الى الحطام ؟

من هذا السؤال تتحول السياسات، ويتحول الرجال...

الأكثر قراءة

«اسرائيل» تكشف موقف لبنان الضعيف في محادثات «الترسيم»: يخشون اميركا ! تحذير غربي من فراغ بعد الانتخابات... وطلب افادة جعجع في حادثة الطيونة ؟ حملة غربية ــ اسرائيلية «لشيطنة» حزب الله في ملف المرفأ والبيطار لا يتراجع