بعد أن ربح الإنهيار الإقتصادي في لبنان معركة سباقه مع الإصلاح الإقتصادي والمسلّمات الرئيسية التي تؤمّن للمواطن حقّ كرامة العيش، وبعد فقر يتصاعد وجوع يكوي لهيب قلوب أطفال جياع وأهاليهم العاجزين، وبعد عجز عن تأمين المستلزمات الأساسية الضرورية للعيش في لبنان، راح المواطنون والأجانب فيه يبحثون عن فُجوة خلاص يهربون من خلالها من دمار نفسيّ وقساوة مشاهد يومية تعيد نفسها مع كلّ بزوغ فجر، فكان الخلاص بالتخطيط للهجرة!

وبما أنّه وبطبيعة الحال موضوع الهجرة مشروع استثماريّ كبير، يعجز البعض عن تحقيقه لأسباب جمّة أبرزها الماديّة منها وفرض حظر على إعطاء التأشيرات من قبل بعض السفارات، كانت الهجرة غير الشرعية الطريق الوحيد ولو كانت لعبة ميسر، إمّا الربح والوصول الى خطّ النهاية في البلد المرسل إليه، وإمّا الموت المحتّم للمرسلين!

عام 2013 أعلنت السلطات الاندونيسية عن غرق قارب كان يقل نحو 100 من المهاجرين غير الشرعيين معظمهم من الأردن ولبنان واليمن كانوا متوجهين الى أوستراليا، وبلغ عدد اللبنانيين الذين غرقوا حينها 27 ضحية. حينها كانت الحياة في لبنان جنّة خالدة بالنسبة للسنتين الإخيرتين، فأقلّه كان الإستقرار الإقتصاديّ يلفّ البلد، ولو كان الحديث دائم عن الدين العام وإختلاس المال العام، غير أنّ اللّبنانيّ لم يشعر حينها بجديّة الحالة ولم يلمس جلياً تأثيرها عليه.

حادثة إندونيسيا تبرز اليوم بقوة في ضوء الازمة التي يمر بها لبنان وسعي مئات الاف اللبنانيين للهجرة منه بحثاً عن فرصة حياة أفضل في ظل صعوبة الحصول على تأشيرة سفر أو هجرة، سيعمد الآف الى الهجرة غير الشرعية مباشرة من لبنان أو عبر إحدى الدول التي يمكن للبنانيين الدخول اليها من دون تأشيرة سفر وهي إندونيسيا، ماليزيا، تركيا، وقبرص التركية.

وفي مراجعة للحوادث المماثلة، فقد شهدت السنوات الماضية 5 حوادث أدت الى وفاة وغرق 51 شخصاً معظمهم من عكار وطرابلس. هذا، من دون ذكر الحالات التي أوقفها الجيش اللبناني أو السلطات في الدول التي وصل اليها المهاجرون غير الشرعيين من دون تعرّضهم لحوادث الغرق والموت، بحسب ما ذكر تقرير نشرته «الدولية للمعلومات» مطلع تشرين الأوّل.

وأبرز التقرير جدولاً يُبيّن أبرز حوادث غرق المهاجرين غير الشرعيين اللبنانيين الذين انطلقوا من لبنان أو من دول أخرى، ففي كانون الأوّل 2009 انطلق زورق من طرابلس في اتجاه قبرص، كانت محصّلة الضحايا اللّبنانيين فيه 4 و27 ضحيّة معظمهم من عكار غرقوا في زورق انطلق من إندونيسيا نحو أوستراليا. كما وذهب 9 لبنانيين ضحية غرق زورق انطلق من طرابلس نحو تركيا في أيار 2015، وكان ضحية الزورق الذي انطلق من العبدة في عكار في اتجاه قبرص طفلاً كان مع 40 لبنانياً آخرين نجوا جميعهم. وفي أيلول 2020، قضى 10 مواطنين كانوا على متن زورق يقلّ 44 شخصاً، وقد أعادت السلطات القبرصية الناجين الى لبنان.

وشهد شاهد من أهله...!

ويروي محمد العائد من قارب الهجرة الذي انطلق من ميناء طرابلس نحو قبرص، حجم المعاناة التي استمرت نحو 80 ساعة ذهابا وإيابا في عرض البحر، فقال «وصلنا قبرص (الرومية) ومكثنا هناك 5 أيام، وبعد ذلك أخبرنا المعنيون أنّهم سيخضعون الجميع لفحوص طبية، لكننا فوجئنا بأنهم وضعونا في سفن وأعادونا إلى لبنان». ويضيف: «دفعت 5 ملايين ليرة كانت تساوي نحو 3400 دولار حينها لأحد المهرّبين من أجل الوصول إلى قبرص، لكني فشلت في ذلك وفي استرداد المبلغ أيضا».

وعن الملاحقة القانونية يقول محمد: «تمّ التحقيق معنا في لبنان ومن ثمّ أُخلي سبيلنا، وأعتقد بأنّه تمّ إلقاء القبض على منظمّي الرحلة وتجّار تهريب البشر».

الهجرة غير الشرعية جنحة

يعاقب عليها القانون!

بدعة الهجرة غير الشرعية أصبحت موضة يهرع اليها من داقت بهم الأحوال، إلا أنّها تبقى غير قانونية ويعاقب عليها القانون. وفي هذا الإطار، يشرح المحامي شادي فرح لـ «الديّار» تفاصيل القانون اللبناني وكيف يعاقب بمواده وبنوده على الهجرة غير الشرعية، فقال: «الهجرة غير الشرعية جنحة يعاقب عليها القانون اللبناني، فإنّها بطبيعة الحال وبحسب اسمها غير قانونية وفاقدة للشرعية لأنها لا تمرّ بالمعابر الشرعية التابعة للدولة اللبنانية من مطار ومرفأ وحدود بريّة. فالقانون يحاسب على شكلين، الأوّل، هو المهاجر الذي يحظى بتخفيف في الملاحقة، والثاني محاسبة المهرّب ويحاكم على أساس قيامه بجنحة الإتجار بالبشر والشروع عن القانون في تخطّي الحدود اللبنانية وما يمثّلها من جهات أمنية، وعدم تقديم الأوراق والوثائق القانونية اللازمة من أجل الحصول على تأشيرة السفر. وهنا تصل العقوبة الى السجن من 5 الى 10 سنوات قابلة للتخفيف بحسب مقتضيات القضية».

من جهة أخرى، يؤكّد مصدر عسكريّ رفيع المستوى لـ «الدّيار» أنّ الأجهزة اللبنانية وخاصّة الجيش اللبنانيّ، يصبّ جهوده من أجل مراقبة الحدود اللّبنانية كافّة والمياه الإقليمية، وهو في المرصاد لكشف عمليات التهريب في مختلف أشكالها!

في ظلّ الظروف المترديّة التي تعصف في لبنان، تضيق فسحات الأمل باللبنانيين، يلجأون لخرق القوانين محاربة لكأس مرّ يشربون منه يومياً، ولو كانوا يعلمون أنّ ما يقومون به يضعهم في خانة الخارجين عن سقف القوانين، كما يعرّض حياتهم للخطر ويعرضهم للملاحقة القانونية، إلا أنّ لا خيار في مثل هذه الأحوال. هل ستتحسّن الأحوال وتقوم الحكومة اللبنانية بتطبيق خطط طارئة إنقاذية تنشل المواطنين من أفكارهم غير الشرعية؟

الأكثر قراءة

مسؤول سعودي لشخصيات لبنانية: اخطأنا بحق الاسد ودمشق