اذا كانت الحقيقة الضحية الاولى والاخيرة في ملف انفجار المرفأ، فان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يعيش في حالة «انكار» غير مسبوقة في تاريخ عمله السياسي، واذا كانت تجاربه السابقة التي خوّلته الدخول الى «نادي رؤساء الحكومة» مرتبطة باحداث كبيرة كاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، او قلب «الطاولة» على الرئيس سعد الحريري ابان وجوده في البيت الابيض، فان ما يحصل معه اليوم بعد قبوله المهمة الصعبة بدفع اميركي –فرنسي، وانفجار «لغم» التحقيقات في ملف المرفأ، بدأ يثير لديه اكثر من علامة استفهام حول الدور المناط به «لعبه» بعدما اكتشف مبكرا انه متروك من الخارج ، ويصارع وحيدا اسوأ ازمة اقتصادية تمر فيها البلاد، فيما تعيش الساحة اللبنانية غليانا سياسيا وحروبا قضائية- انتخابية لن يسلم منها احد. فهل لديه خيارات؟ ومن سيدفع ثمن القراءة الخاطئة ؟

احد المقربين من رئيس الحكومة بدأ يشيع اجواء مفادها ان ميقاتي «نادم» على قبوله تولي المسؤولية على رأس السلطة التنفيذية، وربما لو عرضت عليه اليوم لرفض ذلك، بعدما لمس وجود مناخات دولية واقليمية باردة في التعامل مع الملف اللبناني، ما يتركه وحيدا في مواجهة «كرة النار» الهائلة على المستوى الاجتماعي، في غياب الحراك الخارجي المساعد، وفي ظل انعدام الحد الادنى من التفاهم بين القوى الاساسية المشاركة في الحكومة العتيدة، وهو اليوم يرى نفسه محاصرا بين انعدام الدعم الخارجي والمواجهة المفتوحة بين القوى السياسية عشية الانتخابات النيابية. 

وفي هذا السياق، لم يفهم رئيس الحكومة اصرار الولايات المتحدة الاميركية او استعجالها على «ولادة» الحكومة قبل نحو شهر ونصف من الآن، فهو عندما تلقى اتصالا حاسما من نائب مساعد وزير الخارجية الاميركية، ظن ان الولايات المتحدة ومعها فرنسا التي تفاهمت ضمنيا مع طهران على تسهيل الاستحقاق، ستقومان بامداد حكومته «بالاوكسيجين» المطلوب لانعاش الوضع الاقتصادي لا انقاذه، لكن المفاجأة كانت بحصول تغيير جذري في الخطاب الاميركي- الفرنسي حيال الخطوات المطلوبة قبل الدخول في عملية الانقاذ الجدية، فبينما كان يردد هؤلاء على مسامعه ان ثمة شرطين للبدء بضخ «المساعدات» الفعلية، وهما تشكيل حكومة، والبدء بالاصلاحات، دخل شرط جديد على الخط ويتمثل باجراء الانتخابات النيابية في موعدها وبنجاح، وهذا يعني ان عمر الازمات سيطول، ولن تعطى الحكومة ما يعينها على تقطيع الوقت ريثما يحين موعد الانتخابات التشريعية.

لكن النقطة الاكثر اثارة «للريبة» التشديد على «النجاح» في اجرائها، وكأن ثمة قطبة مخفية تربط المساعدات بنتائج هذه الانتخابات، وهذا الامر مثير للقلق، ويضع رئيس الحكومة امام تحد «لا ناقة له فيه ولاجمل».

ووفقا لمصادر مطلعة، يتحمل ميقاتي مسؤولية دخوله في «وكر الدبابير» ، بعدما ظن انه قادر على ادارة «لعبة» تفوق قدرته على التحمل، وهو بات اليوم اسيرا لاستراتيجية الولايات المتحدة الاميركية التي تخوض آخر معاركها في لبنان، تزامنا مع تطبيق سياسية الرئيس جو بايدن الذي يريد «غسل يديه» من منطقة الشرق الاوسط، ولهذا جاءت المساعدة الاميركية الوحيدة «الملغومة» بالغاز «الاسرائيلي» للرد على ناقالات النفط الايرانية، دون المستوى الانقاذي المطلوب، بينما تضغط واشنطن على الساحة اللبنانية بثلاثة ملفات رئيسية، ترسيم الحدود البحرية، الانتخابات النيابية، ودعم المحقق العدلي في تحقيقات المرفأ، وهي ملفات «حارقة» لا يستطيع ميقاتي تحمل وزرها.

ولعل الاستحقاق الاكثر خطورة اليوم، يرتبط بتحقيقات جريمة مرفا بيروت، حيث انفجر «اللغم» قبل آوانه، بعدما اختار الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله»قلب الطاولة» مبكرا في هذا الملف، مستبقا الاستثمار السياسي والقضائي الذي يجري العمل عليه في «الكواليس»، والمقدراميركا ان يوضع على «الطاولة» عشية الانتخابات خدمة للفريق السياسي المناوىء للحزب وحلفائه، ووفقا للمعلومات يملك حزب الله ملفا اتهاميا بالوقائع والوثائق يثبت وجود تنسيق تفصيلي بين «عوكر» والقاضي طارق البيطار في هذا الملف، وقد جاء التصدي مبكرا وعلنيا، بعد سلسلة من «الرسائل» بعيدا عن الاضواء للمحقق العدلي الذي اصر على عدم التراجع، فكان القرار بخوض المواجهة حتى النهاية.

ويبدو رئيس الحكومة امام المأزق مرة جديدة، واذا كان قد اكتفى بالتعبير عن حزنه تعليقا على البواخر الايرانية، وهو موقف لم يزعج الاميركيين ولا الايرانيين، بعدما اتفقا ضمنيا على تفهم حساسية موقفه، فانه الآن مطالب بموقف واضح وحاسم من الملف الذي لا يقبل انصاف حلول، والا ستكون الحكومة مهددة «بالانهيار» او اقله «الشلل»، لكنه عالق بين قناعته الشخصية بوجود خلل في مسار التحقيق، وهو استمع الى رأي مماثل من المفتي عبد اللطيف دريان بهذا الخصوص، وبين الموقف الاميركي المعارض لاتخاذ اي خطوة سلبية باتجاه القاضي البيطار، وهو يخشى ان تفسر واشنطن اي قرار في هذا السياق بانه تحد لها.

ولا تقف الامور عند هذا الحد، لان الازمة داخليا ليست اقل تعقيدا، فرئيس الجمهورية ميشال عون ومعه النائب جبران باسيل، يخوضان ايضا عبر المحقق العدلي «حربا» مفتوحة على خصومهم، وفي المقدمة رئيس مجلس النواب نبيه بري، وكان الانحياز فاضحا امس الاول عندما منع المجلس الاعلى للدفاع الملاحقة عن رئيس جهاز امن الدولة اللواء طوني صليبا، فيما رفض الرئيس عون تدخل الحكومة في قرارات السلطة التنفيذية، في موافقة ضمنية على الملاحقات غير الدستورية للقاضي بيطار بحق الوزراء والنواب!

ولهذا يبدو ميقاتي «مكبلا»، وتبدو خياراته منعدمة، في مواجهة حرب «الفيلة» داخليا وخارجيا، ولن ينفعه الندم على تولي رئاسة الحكومة، لانها لا تصرف في اي مكان، وحدهم اللبنانيون سيدفعون ثمن مغامرات وحسابات خاطئة، خصوصا اذا اختار رئيس الحكومة «الاعتكاف»، وهو خيار موضوع على «الطاولة»، وبدأ يروّج له همسا لمواجهة الازمة القضائية المستجدة، بعدما صعد كل الافرقاء على الشجرة، ولهذا ابلغ من يعنيهم الامر انه ليس معنيا «ابحثوا عن مخرج»! 

الأكثر قراءة

«عرض عضلات قواتي» ومخرج الراعي للاستدعاءات موضع بحث بعد رفض باسيل