الذي يقصد محيط ملعب الصفاء في وطى المصيطبة في أيامنا كل سبت وأحد، يشعر بأن هناك شيئا ما ينقصه وبأن الزمن قد تغير فعلا وبأن الأصوات التي كانت تعلو و"تهمس" و"تقهقه" قد اختفت، اختفى الباعة المتجولون وغابت "الكعكة" على باب الملعب وقنينة "الكازوز".. اختفى الناس وغابوا، ضاع المشجعون وتاهوا.. فاليوم ليس كالأمس واليوم أصبح حزينا كئيبا.

ملعب الصفاء في وطى المصيطبة لطالما كان "شمس" الأحاد وأيقونة الملاعب اللبنانية على الرغم من ضيق مساحته وقلة حجم مدرجاته، إلا أنه كان المتنفس الوحيد لأهل بيروت أيام الحرب الأهلية باحتضانه دورات 16 آذار والأضحى والمباريات الودية الخارجية، فكانت فرق الصفاء والنجمة والانصار والتضامن بيروت وغيرها.. تستقبل الفرق الأجنبية وخصوصا السورية والرومانية تزامنا مع "أعراس" الجماهير على المدرجات التي تقضي يوم "الويك اند" وكأنها تشاهد فيلم طويل في إحدى دور السينما في الحمرا أيام العز.

كانت فئة حزبية تضبط الأمن في الملعب ومحيطه، وحتى عند تزاحم الناس على شباك التذاكر الضيق ينتشر المسلحون لتفتيش المتفرجين قبل دخول الملعب بابتسامة عريضة، فمباراة كرة القدم هي متنفس للجميع واستراحة من المعارك بين المتحاربين من أحزاب المنطقة الغربية. ومن فوق المدرج الذي تغطيه شجرة وارفة الظل تجد "كابينة" تعلق اسمنتية، تضم المصور والمعلق جنبا إلى جنب، وكان يومها المصري عدنان الشيخ علي الملقب بكابتن "فجلة" يدهش الجميع بلكنته المصرية المحببة واللدغة في حرف "الراء"، ودارت الأيام على قول السيدة "أم كلثوم" وصار الشيخ علي يبيع الدخان قرب فندق البوريفاج ويقطن داخل سيارته التي كانت متجرا ومنزلا في آن، إلا أن وجد ميتا صبيحة أحد الأيام في الألفية الحديثة.

وملعب الصفاء وحد في عام 1983 شطري العاصمة بيروت حين جمع فريق الراسينغ من المنطقة "الشرقية" والنجمة من المنطقة "الغربية" في مباراة انتهت لمصلحة الراسينغ بثلاثية نظيفة.

على ملعب معشب طبيعيا ذات أحد في منتصف الثمانينات، أطلق الفنان مارسيل خليفة أغنيته الجديدة "منتصب القامة أمشي"، جلست الجماهير بين المرمىين مفترشة الأرض والفنان يعتلي المنصة مع فرقته "الميادين" وكأنه "حكواتي"، جلس الحضور في حضرته يستمعون ويطربون ويثورون مع أغاني الثورة والحرب "يا بحرية هيلا هيلا" و"سأحدثكم عن أيمن" و"عليها علي عليها" و"يا شوارع بيروت اليومية"...لقد كان احتفالا للذكرى ولو أن المدرجات لها فم يحكي لحكت عن روعة هذا اليوم.


وفي خضم الحديث عن المدرجات، فهي كانت تضم تحتها غرفا تتحول إلى خلية نحل خلال أيام الأسبوع تمتلىء بالشباب والصبايا العاطلين عن العمل لينخرطوا في ورش تعليمية كالخياطة والنجارة وأعمال الباطون والدهان تحت اشراف الامين العام  للصفاء "المجتهد" الشيخ غازي علامة ومن ثم تنظم لهم حفلة توزيع شهادات لينطلقوا إلى العالم الخارجي علهم يحظون بفرصة عمل تسترهم وتسد رمقهم من عرق جبينهم وتبعدهم عن حمل السلاح "الشرير".

على أرض ملعب الصفاء ايضا كانت تنظم حفلات "المصارعة الحرة" فتنصب الحلبة الخشبية قبل أيام وتثبت على قوائم وأساسات حديدية، وكنت من أشد المولعين بهذه الرياضة في فترة من الأيام..وسرعان ما اكتشفت بأن اتفاقية من "تحت الطاولة" كانت تتم بين المصارعين أنفسهم حتى يفوز أحدهم ويخسر الآخر، والابطال كانوا من لبنان وسورية وفلسطين في الغعالب الأعم لصعوبة وصول أبطال عالميين، وفي أحد المرات تمت الاستعانة ببطل زنجي "أسمر" طويل  - عريض يعمل ويعيش في لبنان ولكنه كان رشيقا وأعطي له اسم حركي على أنه بطل من دولة غانا..

وفي أواخر الحرب الأهلية ومع دخول قوات الجيش السوري إلى بيروت بدأت قوة من هذا الجيش تتولى حفظ أمن المباريات، وأحيانا تضطر لاستخدام القوة المفرطة من ضرب بكعب البواريد وحتى اطلاق النار في الهواء ترهيبا، ومن كان من أصحاب القلوب الضعيفة لا ينبغي عليه أن تطأ قدماه مدرجات ملعب "وطى المصيطبة".


كنت أجلس في المدرج مشجعا وشغوفا بمعشوقتي وأكون أول الحاضرين في المباريات الحساسة منذ العاشرة صباحا بانتظار المباراة التي تبدأ عند الخامسة عصرا، فكانت المدرجات تمتلىء باكرا نظرا لضيقها، والكل "ينكوي وينشوي" من نار الشمس الحارقة، وكنت أسترق النظر إلى "المنصة" الرسمية التي على الرغم من بساطتها كانت تدغدغ مشاعري وأتمنى لو أكون بين الشخصيات الحاضرة لأنهم يجلسون على كرسي خشبي بين نحن المشجعين نجلس على كتل باطون مغبرة وأحيانا متسخة، فيضطر كل إنسي أن ينظف المكان قبل الجلوس أو يفرش "كرتونة" أو"جريدة" بعد الانتهاء من قراءة الصفحة الرياضية.. ومع مرور الأيام والسنين وعند امتنهاني الصحافة الرياضية تحقق الحلم وصار حقيقة عندما وقفت من شرفة غرفة الاعلاميين في المنصة مزهوا من شدة الفرحة إلا أن أصبحت الأمور اعتيادية فيما بعد.

ملعب الصفاء يحمل ذكريات كثيرة لكل من عاش حقباته على امتداده، من الناس التي تقف خلف الشريط الحديدي ومن الذين يدخلون "خلسة" أو من ينتظرون بين الشوطين ليدخلوا بـ"بلاش" أو بنصف الثمن الذي اختلف بارتفاع سعر الدولار.

ملعب الصفاء اليوم ليس كباقي الأيام الخوالي، اليوم اصبح مهجورا.. يملأه الصمت وحول جنباته غابت "الهيصة" والأفراح والتشجيع الملتهب، رائحة التراب الأحمر الغامق مع القطع العشبية المتناثرة هنا وهناك صارت "أثرا بعد عين".. وكل ما فيه تغير كتغير الزمن.. وهو بانتظار من سينتشله ويعيد إليه أنبوبة الأوكسيجين لتدب الحياة فيه من جديد..

الكل يأمل ونحن نأمل.. ولكن الكلمة في النهاية للفعل لا للقول..





الأكثر قراءة

باسيل للديار : لن نبقى ساكتين امام التعطيل...فلتجتمع الحكومة او «ما تكفي» وانصح ميقاتي بالدعوة لجلسة والمعترضين بالحضور السعودية تريد مواجهة حزب الله واذا ما فهم فرنجية انها لن تشتري من احد شيئا بلبنان فمشكلة !