بعيداً عن اللغة الخشبية، والألواح الخشبية، لا مكان للأصوات العارية في هذه الغرنيكا الأبدية كامتداد جدلي لداحس والغبراء، وحتى كامتداد لليلة الأخيرة بين قايين وهابيل. الوصية الحادية عشرة نزلت علينا خصيصاً: أقتلوا بعضكم بعضاً...

ماذا يعني جورج قرداحي، أو أي لبناني آخر، لمستشاري البلاط الا اذ كان بمواصفات الليدي غاغا، وجون ترافولتا. الا اذا كان بمواصفات... هيفاء وهبي؟

الأزمة بين لبنان والخليج أزمة لبنانية، بالدرجة الأولى. من تعاقبوا على السلطة، باستثناء القلة القليلة، لم يصنعوا لبنان ـ الدولة، ولا اللبناني ـ المواطن. كل ذلك الكبرياء الذي نتحدث عنه، حتى في العتابا والميجانا، كلام بكلام. عندنا الدولة ـ القهرمانة، والمواطن ـ القهرمانة...

متى لم تحترف حكوماتنا ثقافة التسوّل؟ دائماً الحلقة الضعيفة. اذ أظهر صراعنا مع «اسرائيل» أن بامكاننا أن نصنع المستحيل، ربما ما هو أبعد من المستحيل، لو كانت لدينا دولة حقاً لجعلت لبنان نقطة الاستقطاب بين دمشق ومكة، وبين الفسطاط والقيروان.

كيف نطلب من السعوديين أن يحترمونا، وقد أهانونا حتى العظم، اذا كنا لا نتجرأ، بزبائيتنا القاتلة، وبتصدعنا القاتل، وقف استيراد البطاطا من هذه الدولة، والبندورة، من تلك الدولة، لحماية محاصيلنا؟

هكذا نزحف الى هذا البلاط أو ذاك، لأن حكامنا لم يحاولوا يوماً بناء رؤية استراتيجية للدولة. بكل تلك التفاهة، نفاخر بأن أدمغتنا الرائعة، أيدينا الرائعة، موزعة في أصقاع الدنيا.

ماذا لو كانت هناك دولة تستثمر تلك الأدمغة، وتلك الأيدي، لنكن من طراز دولة مثل السويد أو مثل هولندا، بصناعاتنا، أيضاً بزراعاتنا، لا أن نقتل سهولنا، ونقتل جبالنا، ونقتل أوديتنا، ونقتل أنهارنا. حتى لكأننا نقتل الهواء. أجل، أجل، نحن... قتلة الهواء!

نقول للايرانيين الذين لا ننسى ما قدموه لنا لاجتثات الأقدام الهمجية من أرضنا، حين كان أشقاؤنا يتأرجحون بين اتفاق أوسلو واتفاق وادي عربة، أن الأميركيين يخنقوننا، وأن أشقاءنا يخنقوننا. الى متى... مراقصة الحطام؟

لم نعد نريد الخبز، ولا المازوت. نريد الدواء الذي لا يستطيع الحصول عليه سوى أصحاب القامات والمقامات  المقدسة. لا يمكن لأي شعب في العالم (ولسنا شعباً بأية حال) يبلغ هذا الحد من المعاناة دون الانقضاض، ولو بأسنانه، على مصاصي الدماء...

لا أحد يتصور، بمن في ذلك أصحاب الخيال الخشبي، أنه مسموح للايرانيين، أو للسعوديين، تحديد مستقبل اليمن، أو حتى مستقبل نبتة قات في اليمن.

من المنطقي أن يكون السعوديون معنيين، من الناحية الجيوســياسية، باليمن. ولكن ألم يكن بامكان المملكة، بثرائها الأسطوري، أن تنقل البلد الشقيق من حال الى حال بدل أن تنفق مئات مليارات الدولارات، وعلى مدى عقود، لشــراء عشرات آلاف رجال الدين (55000 ) من أجل تسويق «ثقافة الخيزرانة». خيزرانة جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

لعل الايرانيين يتذكرون كيف هبّ كسرى أنو شروان لنجدة سيف بن ذي يزن  لدحر أبرهة الحبشي. تلك أيام، وهذه أيام. الأميركيون في زمننا يمسكون بكل أبواب، وبكل مفاتيح المنطقة. مثلما يستنزفون السعوديين يستنزفون الايرانيين. متى لم تكن الأمبراطوريات، ومنذ القرن التاسع عشر، تنظر الينا أكثر من كوننا كثباناً من الرمال وتذرونا الرياح؟

مهما قيل حول رحيل الأميركيين من المنطقة الى الباسيفيك، لا شك أن الشرق الأوسط يبقى، بثرواته، وبموقعه الجغرافي، مسرحاً للصراعات الكبرى. أيضاً مسرحاً للصفقات الكبرى، ما دامت المنطقة مبعثرة هكذا، ضائعة هكذا، وبعيدة عن التفاعل مع ديناميات القرن...

آن للتراجيديا اليمنية أن تقفل، لتقفل، تلقائياً، التراجيديا اللــبنانية، والتراجيديا السورية، والتراجيديا العراقية. كفى ضحايا على أبواب مأرب، وهم بالآلاف، لأنهم يذهبون هباء، ويذهب معهم اليمن هباء...

لكننا حتى اللحظة ما زلنا نأخذ بالوصية الحادية عشرة: أقتلوا بعضكم بعضاً...

الأكثر قراءة

للرؤوس الساخنة في ايران