هل من قطبة مخفيّة وراء المماطلة بالتدقيق الجنائي؟
مصادر لـ «الديار»: سيناريو ثلاثة عصافير بحجر واحد


لا يزال الشلّل الحكومي مُستمرًا على الرغم من المحاولات الكثيفة التي يقوم بها وسطاء بين أروقة القرار، وعلى الرغم من اللقاء الثلاثي الذي جمع الرؤساء خلال مناسبة عيد الإستقلال. وبحسب المعلومات المُتوافرة، فإن قضية الوزير قرداحي تمّ بتها من خلال إستقالة طوعية سيقوم بها قرداحي على أن يكون البديل شخصية مُقرّبة من مرجعية قرداحي السياسية، إلا أن عقدة القاضي بيطار هي التي تُعيق عودة الجلسات الحكومية. ومن المتوقّع أن يتطرق سماحة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله إلى هذا الموضوع خلال كلمته المتوقّعة يوم الجمعة القادم والمنتظرة من قبل العديد من القوى السياسية ، نظرًا لما قد تحمله من مُعطيات على مسار الأمور.

في هذا الوقت، لا تزال الأزمة المعيشية تشتدُّ حِدّةً مع إرتفاع أسعار المحروقات، حيث أصبح سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان: 311400 ليرة لبنانية، والمازوت 321000 ليرة لبنانية، والغاز 276500 ليرة لبنانية وهو ما يُنذر بحقبة قاسية على أبواب الشتاء. كذلك الأمر بالنسبة للأدوية التي تضاعف سعرها بشكل جنوني، في ظل قرار وزير الصحّة فراس أبيض رفع الدعم الجزئي عن الأدوية والدفاع عن هذا الإجراء وتبريره بنقص في الدولارات.

في ظل كل هذه الأجواء السلبية، خطف موضوع التدقيق الجنائي الأضواء مع معلومات صحافية تُشير إلى أن شركة «الفاريز آند مرسال» هدّدت بوقف عملها والإنسحاب من الإتفاق الموقع بينها وبين الدولة اللبنانية كردّة فعل على «تعاطي حاكم مصرف لبنان» مُتهمّة إياه بـ «حجب المعلومات المطلوبة للمرة الثانية على التوالي».

هذا الخبر دفع رئيس الجمهورية إلى ترؤس إجتماع مالي - نقدي جمعه مع كلٍ من وزير المال يوسف الخليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة في قصر بعبدا، بهدف عرض الأوضاع المالية والصعوبات التي تواجه الشركة في إطار مهمتها في مصرف لبنان. وبحسب البيان الصادر عن قصر بعبدا أصرّ الرئيس ميشال عون على «بدء مهام التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان وتنفيذ العقد بين الشركة والدولة اللبنانية ما يقتضي معه توفير الداتا والمستندات المطلوبة من المؤسسة كي تباشر مهامها وتصدر التقرير الاولي بنهاية 12 اسبوعاً كحد اقصى وفق العقد»، لافتًا إلى «ان تداعيات عدم اجراء التدقيق المحاسبي الجنائي سلبية على جميع الصعد، لاسيما وان القانون ينص على انسحاب التدقيق المالي على إدارات الدولة ومؤسساتها كافة».

من جهته أكّد حاكم «المركزي» رياض سلامة أن المصرف سلّم أكثر من 99% من المعلومات المطلوبة، وأن النواقص هي معلومات إضافية قامت الشركة بطلبها بعد حصولها على كل المستندات المطلوبة سابقًا. من جهته قال وزير المال أن «المركزي» ووزارة المال «يجريان ما يلزم وبالسرعة الممكنة لهذه الغاية».

لكن لماذا تمّ التأخير في عملية التدقيق الجنائي على الرغم من حصول الشركة على 99% من المعلومات؟ مُدقّق مالي مُخضّرم قال: «لا يُمكن أن يكون السبب هو عدم تسليم مصرف لبنان نظرًا إلى أن هذه النسبة من المعلومات كافية لإعطاء فكرة دقيقة عن الحسابات في المصرف المركزي على أن تُخطر شركة «الفاريز آند مارسال» المسؤولين وتُكمل تقريرها وتضع فيه المعلومات التي رفض المركزي تسليمها»، مُشيرة إلى «السيناريوهات الكامنة وراء إخفاء هذه المعلومات». ويُضيف المصدر، «لا يُمكن أن تقوم حجة مثل هذه الحجّة لدى أهل الإختصاص خصوصاً أن أي معلومة يتسلّمها المُدقّق الخارجي تُشكّل مادّة غنية لأعادة تكوين سيناريو حركة وتكوين الحسابات. وبالتالي التهديد بالإنسحاب يخفي أسباب أخرى غير تقنية».

إذًا، إذا كان أهل الإختصاص يؤكّدون أن عدم تسليم 1% من المعلومات لا يُمكن أن يكون عذراً من ناحية قدرة الشركة على إصدار تقرير بحده الأدنى، مُشيرة إلى أماكن الخلل لكي يُبنى على الشيء مُقتضاه، فما هو إذًا السبب الحقيقي؟

التحليل يُظهر أن هناك ثلاثة سيناريوهات مُحتملة:

- الإحتمال الأول أن يكون التحليل الأوّلي للمعلومات الذي قامت به الشركة، لم يُظهر أي خلل في حسابات «المركزي»، وبالتالي قد يكون هناك رغبة لدى البعض بتحميل المصرف المركزي، وبالتحديد حاكم المركزي مسؤولية تطيير التدقيق الجنائي.

- الإحتمال الثاني أن يكون هناك ضغط (سواء داخلي أو خارجي) على الشركة لمنعها من الإستمرار بعملية التدقيق، نظرًا إلى أن هناك مُخططات سياسية مُعينة تُرسم للبنان.

- الإحتمال الثالث قد يكون ذات طابع مالي بحت.

مصدر سياسي قال أنه «من المؤسف أن تكون ثقة القوى السياسية بشركة أجنبية لا نعلم نوايها أو أجندتها (إذا ما وُجدت)، ولا تثق بديوان المُحاسبة الذي أثبت على الرغم من التدخلات السياسية في عمله أنه على قدر مُهمة مثل مُهمة التدقيق في حسابات مصرف لبنان وحسابات الدولة». وأضاف «قد يكون هناك مُخططّ بالتضامن والتعاضد مع قوى داخلية تهدف إلى ضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد: تحميل سلامة مسؤولية الإنهيار المالي وطمس حقيقة مُرّة من خلال تبرئة المسؤولين الحقيقيين، وتغيير النظام المصرفي إلى نظام أكثر ملاءمة للمنظومة الحالية بحكم أن النظام المصرفي الحالي أدّى وظيفته، وتسهيل الطريق لأجندات سياسية داخلية مُعيّنة خصوصًا مع الفشل المُستمر في كل مُعالجة الملفات».

ورجّح المصدر أن تشتدّ الهجمة على سلامة في الأيام والأسابيع القادمة، مُشدّدًا على أن «الجيش اللبناني ومصرف لبنان يتمتّعان بحماية دولية وبالتحديد أميركية، وبالتالي لن يكون من السهل المسّ بهما حتى ولو تمّ خلق أعذار وحجج يعلم المُجتمع الدولي ضمنًا أنها عملية تهرّب من المسؤولية وإنتقام سياسي».

إذًا ومما تقدّم، نرى أن الأوضاع بلغت مستوى عالٍ من التعقيد، حيث أن الحسابات السياسية أصبحت تدخل في كل شاردة وواردة وتُعطّل البلد وتشلّ حكومته وتُجوّع شعبه. 

الأكثر قراءة

للرؤوس الساخنة في ايران