اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

حين حرّكت "ثورة 17 تشرين" عام 2019 الشارع اللبناني، كان الشارع الاغترابيّ يغلي من بعيد على وطن ينهار اقتصادياً، وأتى دمار قيمة اللّيرة اللّبنانية مقابل الدولار ليكون مُحفّزاً إضافياً للمغتربين من أجل نشل الوطن مالياً واجتماعياً وسياسياً، في حين كان لانفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020 صدًى دوّى في فضاء المغتربين، فأتت هذه الأسباب مجتمعة  لحثّ العديد منهم على ضرورة التغيير وتضميد جراح لبنان.

بعد التجربة الأولى لانتخاب المغتربين عام 2018، لا يختلف اثنان على أنّ الأنظار تتجّه بشدّة الى أصوات المغتربين بجدّية أكبر وعمل دؤوب في الإنتخابات النيابية التي ستُقام في 15 أيّار 2022.

فعملاً بأحكام المادة 113 من القانون رقم 44/2017 تاريخ 17/06/2017 ، وبعد اعتماد التسجيل الالكتروني للتسجيل للاقتراع في الانتخابات النيابية 2018، أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين فتح باب التسجيل للبنانيين غير المقيمين على الأراضي اللبنانية للإقتراع في الإنتخابات النيابية 2022 ، وأقفلت باب التسجيل بتاريخ 20 تشرين الثاني 2021 معلنةً وبالأرقام الأعداد التي سجّلت في كلّ قارّة. وأشادت وزارة الخارجية والمغتربين بـالإقبال الكثيف على التسجيل، مشيرة إلى أن العدد الكلي للناخبين المسجلين فاق كل التوقعات، وبلغ 244 ألفا و442 بعد إقفال باب التسجيل مقارنة بـ 92810 في انتخابات العام 2018. واعتبرت الوزارة في بيانها أن "التزايد الكبير في التسجيل خير دليل على هذا الحماس وعلى رغبتهم الشديدة بالمشاركة في هذه العملية". وحسب الوزارة، سجل العدد الأكبر من الناخبين أسماءهم في أوروبا (نحو 75 ألفا)، تلتها آسيا (أكثر من 61 ألفا)، وأميركا الشمالية (نحو 60 ألفا)، فيما لم يسجل سوى 6350 شخصا في أميركا اللاتينية.

تبقى سهام البوصلة موجّهة نحو بلاد "العم سام"، الولايات المتّحدة الأميركيّة، المركز الأكثر جديّة بالتعاطي والتحضير ليوم الإقتراع بعد المتابعة الحثيثة لعملية التسجيل.

في جولة استطلاعية لـ "الدّيار" حول أجواء انتخابات المغتربين في الولايات المتّحدة الأميركية، لاحظت الجدّية المطلقة، خاصّة بعد تأسيس "لجنة التنسيق اللّبنانية – الأميركيّة التي تضم ستّ منظمات لبنانيّة - أميركية، هي: "التجمّع من أجل لبنان" (AFL)، "شراكة النهضة اللبنانية – الأميركيّة" (LARP)، "المركز اللبناني للمعلومات" (LIC)، "لبناننا الجديد" (ONL)، "دروع لبنان الموحّد" (SOUL)، "الجامعة اللبنانيّة الثقافيّة في العالم" (WLCU)، بالإضافة الى "ملتقى التأثير المدني" (CIH)، حيث ساهمت اللجنة في عقد مؤتمرات عديدة واجتماعات مع مجلس الكونغرس من أجل متابعة عملية التسجيل، وأشارت في بيان لها بُعيد انقضاء مهلة التسجيل الى أنه "مع كُلّ ما سبق يجب التنبّه إلى أنَّ عملنا كلجنة في هذا السّياق لم ينته بعد"، وشددت "على وجوب الحصول على المستندات المطلوبة للاقتراع"، مؤكدة أن "هذا الاقتراع ضروريّ لمستقبل لبنان الدّولة، لأنه سيحدد شكل الحكومة المقبلة وسيُظهِر إمكان التأثير في إجراء انتِخابات رئاسيّة".

في هذا السياق، تواصلت "الدّيار" مع رئيس منظّمة "دروع لبنان الموحّد SOUL" بيار مارون الذي أشار الى أنّ "عمل اللّجنة بدأ قبل تعديل القانون الإنتخابي وانخراط المغتربين في الإنتخابات، فنحن مجموعة من المنظمّات التي تهتمّ مباشرة بالشؤون اللّبنانية من القرار 1559 مع الأمم المتحّدة وآلية تطبيقه وصولاً الى اقتراع المغتربين، حيث عملنا على تأسيس تجمّع لبناني إغترابي عبر مؤتمرات أعددنا لها، ودعونا لحضورها العديد من الجمعيات والمنظمّات العالمية قمنا بها كانت متزامنة مع أخرى في لبنان، وكان الهدف الحرص على المحافظة على استقرار الكيان اللبناني ولو من دول الإغتراب، فبعد قانون الإنتخابات الذي شرّع للمغتربين الإقتراع، بدأ عملنا بشكل جدّي أكثر، وبخاصّة أنّ الأرضية الإغترابية بشكل عام، وفي الولايات المتّحدة خاصّة، فيها نقمة على المنظومة السياسية التي أوصلت البلد الى ما هو عليه من وضع رديء اليوم بعد انفجار 4 آب، فنظرة اللبنانيين هنا في الولايات المتّحدة الأميركية تبدّلت، ولمسنا توجّهاً واضحاً للمشاركة في التغيير، رغم وجود عدد لا يستهان به من اللّبنانيين الملتزمين ببعض الأحزاب السياسية".

وعن وصف عملية التسجيل، يقول مارون :"بطبيعة الحال كُنا نأمل بأرقام مرتفعة أكثر في التسجيل، إنّما عراقيل عديدة واجهت البعض مثل عدم صحّة أوراقهم الثبوتية أو مدّتها أو النقص فيها، كما أنّ واحدة من العراقيل كانت مادّية، بحيث انّ العائلة المؤلّفة من 5 أشخاص على سبيل المثال بحاجة لمبلغ مرتفع من أجل تجديد جوازات السفر أو تحضير الأوراق، فلم نلق أيّ تسهيل أو مساعدة من الجانب اللّبناني كوزارة الخارجية أو الجهات المختصّة".

على الخطوط اللّبنانية – الأميركية، تتواصل الرحلات المكثّفة، فالدّعم من الجهتين لإنجاح عملية الإنتخاب على قدم وساق بين منظّمات وجمعيات تعمل للمصلحة الوطنية، من هذه النّافذة كان لـ "الدّيار" لقاءٌ مع المدير التّنفيذي لـ "ملتقى التأثير الإيجابي" زياد الصائغ الذي شرح عن الدّور الذي يؤديه "الملتقى" في ما يتعلّق بانتخاب المغتربين، وقال: "بداية عن تأسيس المنتدى عام 2012 في لبنان، بحيث كان يُشكّل مجموعة ضغط هدفها بناء سياسيات عامّة وحوكمة سليمة مع تفعيل الرقابة والمحاسبة والمساءلة لبناء لبنان الذي يبحث عنه اللّبنانيون، وبعد سلسلة مبادرات داخلية".

وعن انتخاب المغتربين يقول: "وجد الملتقى بعد ثورة 17 تشرين ضرورة للتغيير، خاصّة بعد الأزمة الإقتصاديّة، وإيمانّاً منّا بأنّ كلّ من يحمل الجنسية اللّبنانية يحمل المسؤولية في تجديد لبنان، التقينا بالمبادئ مع "لجنة التنسيق اللّبنانية – الأميركية"، وأصبحنا الشريك الوطني لهم، فنسعى لجمع كلّ القوى لفهم المعركة الوجودية، فالانتقال من رقم 75000 الى 244000 مغترب مسجّل يشكّل بحدّ ذاته نقلةً نوعيةّ، فالمغتربون متوجّهون بالمساهمة في تحرير الوطن وانقاذه حين يقترعون".

ويعتبر أنّ "الأهمّ من التسجيل في الإقتراع هو لمن سيدلي المغترب بصوته، والأهمّ من هذا كلّه هو معرفة المرحلة الدّقيقة التيّ نمرّ بها والتي من خلالها يجب علينا اقتناء الفرصة المفصلية، فالتصويت تاريخي يتعلّق بهويّة لبنان وسيادته وحضارته ".

ديبلوماسياً، قال السفير اللّبنانيّ السابق لدى الولايات المتّحّدة وليد معلوف ل "الديار": انّ "النيّة موجودة لدى الجميع من أجل تحقيق الإنتخابات، حيث انّ الشعب اللّبنانيّ وصل الى مرحلة دقيقة وعليه ألّا يسمح بالإنهيار، ولبنان بحاجّة ماسّة الى أصوات أهله المغتربين، تلك الأصوات الحرّة، مع الرفض القاطع بتعديل قانون الإنتخابات، فعلى اللّبنانيين المنتشرين التصويت لممثلّيهم ال 128 على كافّة الأراضي اللّبنانية كلّ في منطقته".

الأرقام إن حكت...

وأشار الخبير الإنتخابي كمال فغالي ل "الديار" أنّه وبعد انتهاء مهلة التسجيل التي حصدت حوالى 27،898 ناخباً في أميركا الشمالية - "الرأسمالية"- توزّعت أرقام المسجّلين على الدوائر الإنتخابية الخمسة عشر، حيث حجزت دائرة الشمال الثالثة المرتبة الأولى في الأعداد مع 4،461 ناخباً، 1555 منهم في قضاء البترون.

وكون المشهد اللّوجيستي لعملية الإنتخاب لم يتبلور بعد في الولايات المتّحدة وفي أيّ بلد في الإجمال، يتخوّف فغالي من تراجع أرقام المقترعين، نظراً لتوزيع صناديق الإقتراع، بحيث من الممكن أن يُطلب من الناخب الإنتقال بالطائرة للتمكن من الإدلاء بصوته، فهذا واحد من أبرز الأسباب التي جعلت نسبة المقترعين لا تتجاوز 54% في انتخابات 2018.

ويضيف: "لكن بطبيعة الحال، التسجيل عكس ارتفاعاً ملحوظاً، من شأنه أن يؤثّر في زيادة أقلام الإقتراع، حيث أنّ القانون يُلزم فتح قلم اقتراع في المقاطعة التي تجاوز فيها عدد المسجلين أكثر من 200 ناخب".

وعن نسبة الإقتراع يقول فغالي: "بالرغم من بعض العوائق في التطبيق، إلّا أنّ الأرقام المرتفعة في التسجيل تشير الى ارتفاع نسبة الإقتراع ربّما لأكثر من 70% ، حيث انّ الحماس متزايد لدى الأرضية الشعبية الإغترابية، خاصّة مع إمكان تقدّم حركات المجتمع المدني، فيما الولايات المتّحدة الأميركية هي واحدة من الدول التي شهدت كثافة في التسجيل، والمغتربون فيها كانوا جزءاً لا يتجزّأ من ثورة 17 تشرين، فهذا ينعكس على صناديق الإقتراع".

على أرض الواقع... شهادات حيّة من اميركا الى لبنان!

في حين تعمل مختلف الجهات والمنظمّات على التحضير بجهد لعملية الإنتخاب، يبقى التطبيق بيد أصحاب القرار وأصحاب التّصويت، مغتربون لبنانيون تركوا بلدهم الأم بحثاً عن الإستقرار والسلام، فكيف يرى البعض في الولايات المتّحدة الأميركية هذه الخطوة، ولمن سيدلون بأصواتهم؟

عبر تطبيق "ZOOM" استطاعت "الدّيار" أن تجمع بعضاً من اللّبنانيين المتمركزين في الولايات المتحدة الأميركية لتتفاوت الآراء بشكل ملحوظ.

جيمي (37 عاماً) يرى في العملية الإنتخابية مضيعة للوقت، ويقول: "عن سابق تصّور وتصميم قرّرت التخلّي عن لبنان واللّجوء الى أميركا منذ 5 سنوات بحثاً عن كفالة المستقبل، وإيماناً منّي بأنّ لبنان سيبقى طابة تتراشقها كافّة البلدان المجاورة ولن يكون يوماً سيّد نفسه، وما الانتخابات إلّا لُعبة فاشلة، لذلك لم أتسجّل للإدلاء بصوتي، حتّى وإن برزت وجوه المجتمع المدني التي تتبنّى التغيير، فأنا على ثقة بأنّ كلّ من استلم كرسيّاً سياسياً في لبنان، أصبح فاسدا حتماً".

وفي هذا السياق، كان ل نوال (54 عاماً) وجهة نظر مختلفة، إذ أثنت في مداخلتها على ضرورة الإنتماء للوطن بأيّ شكلٍ، معتبرة أنّ عملية الإنتخاب تشكل واحداً من أشكال المشاركة الحقيقية في البلد ولو من بعيد، وأكّدت أنّها ستصوّت لمرشّح التيّار الوطني الحرّ في القضاء الذي تنتمي اليه يوم تفتح الصناديق. وتقول: "أنا أطمح بالعودة للعيش في وطني الأمّ، لن أبقى هنا، ولنا ملء الثقة بسياسية التيّار بمكافحة الفساد".

بين جيمي المعترض ونوال المؤّيدة، يأتي فادي (23 عاماً)، وكان قد توّجه الى أميركا لمتابعة دراسته العليا، حيث اعتبر في مداخلته، أّنّ توجّهه في الإنتخاب منطقي ويقول: "أرى التاريخ اللبناني أمامي عبر ما عاشه أهلي وأقربائي، وأنا على يقين بأنّ الأحزاب السياسية لن تصنع التغيير، فهي لطالما تربّعت على عرش السلطات ولا تزال تتنازع. اليوم أمامنا فرصة، وتتمثّل هذه الفرصة بحماس مجموعة كبيرة من المهتمّين بالشأن العام والذين أعلنوا ترشحّهم وهم من مجموعة المجتمع المدني، فلنعطهم الفرصة ولنحاسبهم بعد 4 سنوات. فلنحاسب اليوم من انتخبناهم منذ 4 سنوات وللنتخب من ينتهز الفرصة الأولى دون أن نحكم عليهم مسبقاً، أنا تسجّلت وسأنتخب المجتمع المدني".

على نار حامية إذاً، تعمل الفرق على التشكيلات النهائية، فيما العين على المغتربين خاصّة في الولايات المتحّدة الأميركية لموقعها السياسي في الشرق الأوسط، فأبواب التسجيل فُتحت وتسجّل من أراد، ولكن يبقى السؤال هل ستكتمل أوراق المعاملة كي يوقّع عليها اللّبنانيون المقيمون منهم والمغتربون؟

الأكثر قراءة

«حرب الارقام» الانتخابية تنذر «بشلل» سياسي طويل والانهيار الاقتصادي دون «كوابح» بدء بازار الاستحقاقات الدستورية : لا مقايضة بين رئاسة المجلس والاستحقاق الحكومي اسرائيل «المردوعة» توسط «اليونيفيل» لمنع تطور سوء التقدير الحدودي الى مواجهة!